ابن المقفع
188
آثار ابن المقفع
رأيا ، ولكن نبث « 1 » العيون « 2 » ونبعث الجواسيس ونرسل الطلائع « 3 » بيننا وبين عدونا فنعلم هل يريد صلحنا ، أم يريد الفدية ؟ فإن رأينا أمره أمر طامع في المال لم نكره الصلح على خراج نؤديه اليه في كل سنة ندفع به عن أنفسنا ونطمئن في أوطاننا . فإن من آراء الملوك إذا اشتدت شوكة « 4 » عدوهم فخافوا على أنفسهم وبلادهم ان يجعلوا الأموال جنة « 5 » البلاد والملك والرعية . قال الملك للرابع : فما رأيك في هذا الصلح ؟ قال لا أراه رأيا بل إن نفارق أوطاننا ونصبر على الغربة وشدة المعيشة خير من أن نضيع أحسابنا « 6 » ونخضع للعدو الذي نحن أشرف منه ، مع أن البوم لو عرضنا ذلك عليهن لما رضين منا إلا بالشطط « 7 » . ويقال في الأمثال : قارب عدوك بعض المقاربة لتنال حاجتك ، ولا تقاربه كل المقاربة فيجترىء عليك ويضعف جندك وتذل نفسك . ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها قليلا زاد ظلها وإذا جاوزت بها الحد في إمالتكها « 8 » نقص الظل . وليس عدونا راضيا منا بالدون في المقاربة فالرأي لنا ولك المحاربة . قال الملك للخامس : ما تقول أنت وما ذا ترى ؟ القتال أم الصلح ، أم الجلاء عن الوطن ؟ قال : أما القتال فلا سبيل للمرء إلى قتال من لا يقوى عليه . وقد يقال : إنه من لا يعرف نفسه وعدوه وقاتل من لا يقوى عليه حمل نفسه على حتفها ، مع أن العاقل لا يستصغر عدوا ، فإن من استصغر عدوه اغتر به ، ومن اغتر بعدوه لم يسلم منه . وأنا
--> ( 1 ) نبث : نفرق . ( 2 ) العيون : الرقباء . ( 3 ) الطلائع : جماعات من الجيش ترسل لتجسس أحوال العدو . ( 4 ) شوكة : اي قدرة . ( 5 ) جنة : ترس . ( 6 ) أحسابنا : مفاخرنا . ( 7 ) الشطط : مجاوزة الحد . ( 8 ) امالتكها : امالتك إياها .