ابن المقفع
177
آثار ابن المقفع
فيما عنده ، فانا نرى له حالا نحسبه إلا قد احتاج معها إلى من يعوله « 1 » فتركنني ولحقن بأعدائي وجفونني واخذن في غيبتي « 2 » عند من يعاديني ويحسدني ، واصبحن كأنهن لم يعرفنني وكأني لم أكن عليهن رئيسا قط . فقلت في نفسي : ما الاخوان ولا الأعوان ولا الأصدقاء الا بالمال ، ووجدت من لا مال له إذا أراد امرا قعد به العدم « 3 » عما يريده كالماء الذي يبقى في الأودية من مطر الشتاء لا يمر إلى نهر ولا يجري إلى مكان إلى أن يفسد وينشف ولا ينتفع به . ووجدت من لا إخوان له لا أهل له ، ومن لا ولد له لا ذكر له ، ومن لا مال له لا عقل له ولا دنيا ، ولا يجد بدا من ترك الحياء ، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره ومن ذهب سروره مقت نفسه ومن مقت نفسه كثر حزنه ومن كثر حزنه قل عقله وارتبك في امره ، ومن قل عقله كان أكثر قوله وعمله عليه لا له . ومن كان كذلك فأحر به « 4 » ان يكون انكد الناس حظا في الدنيا والآخرة . ثم إن الرجل إذا افتقر قطعه « 5 » أقاربه واخوانه وأهل وده ومقتوه ورفضوه وأهانوه واضطره ذلك إلى أن يلتمس من الرزق ما يغرر فيه بنفسه « 6 » ويفسد فيه آخرته فيخسر الدارين جميعا . وإن الشجرة الثابتة في السباح « 7 » المأكولة من كل جانب كحال الفقير المحتاج إلى ما في أيدي الناس . ووجدت الفقر رأس كل بلاء وجالبا إلى صاحبه كل مقت ، ومعدن النميمة ؛ ووجدت الرجل إذا افتقر أتهمه من كان له مؤتمنا وأساء به الظن من كان يظن به حسنا ، فإن أذنب غيره كان هو للتهمة موضعا .
--> ( 1 ) يعوله : يمونه ، يكفيه . ( 2 ) غيبتي : ذمي في غيابي . ( 3 ) العدم : الفقر . ( 4 ) أحربه : احراه اي ما اجدره واحقه . ( 5 ) قطعه : ضد وصله . ( 6 ) يغرر بنفسه : يعرضها للهلكة ( 7 ) السباخ : الأراضي المالحة .