ابن المقفع

178

آثار ابن المقفع

وليس من خلة « 1 » هي للغني مدح إلا وهي للفقير ذم ، فإن كان شجاعا قيل أهوج ، وإن كان جوادا « 2 » سمي مبذرا ، وإن كان حليما سمي ضعيفا ، وإن كان وقورا سمي بليدا ، وإن كان صموتا « 3 » سمي عييا « 4 » وإن كان لسنا « 5 » سمي مهذارا « 6 » . فالموت أهون من الحاجة التي تحوج صاحبها إلى المسألة ولا سيما مسألة الأشحاء « 7 » واللئام . فإن الكريم لو كلف أن يدخل يده في فم الأفعى فيخرج منه سما فيبتعله كان ذلك أهون عليه وأحب إليه من مسألة البخيل اللئيم ، حتى لقد جاء في قديم الأقاويل : إن من ابتلي بمرض في جسده لا يفارقه حتى يتسلط عليه ما هو أشد منه من الحاجة والفقر . وقد كنت رأيت الضيف حين أخذ الدنانير فقاسمها الناسك وجعل الناسك نصيبه في خريطة « 8 » عند رأسه لما جن « 9 » الليل . فطمعت ان أصيب منها شيئا فأرده إلى جحري ، ورجوت ان يزيد ذلك في قوتي أو يراجعني بسببه بعد أصدقائي . فانطلقت إلى الناسك وهو نائم حتى انتهيت عند رأسه فوجدت الضيف يقظان وبيده قضيب فضربني على رأسي ضربة موجعة فانقلبت راجعا إلى جحري . فلما سكن عني الألم هيجني الحرص والشره فخرجت طمعا كطمعي الأول ، وإذا الضيف يرصدني فضربني بالقضيب ضربة أسالت مني الدم فتحاملت على نفسي « 10 » وتقلبت ظهرا لبطن إلى جحري فخررت « 11 » مغشيا علي فأصابني من الوجع ما بغض إليّ المال حتى لا اسمع بذكره إلا تداخلني من

--> ( 1 ) خلة : خصلة . ( 2 ) جوادا : كريما . ( 3 ) صموت : كثير الصمت . ( 4 ) عييا : بليدا عاجزا . ( 5 ) لسنا : فصيح اللسان . ( 6 ) مهذارا : كثير الكلام في الخطأ والباطل . ( 7 ) الأشحاء : جمع شحيح : البخلاء ( 8 ) خريطة : وعاء من الجلد . ( 9 ) جن : اظلم . ( 10 ) تحاملت على نفسي : تكلفت مشقة . ( 11 ) خررت : سقطت .