ابن المقفع

156

آثار ابن المقفع

قد علمتم أن سيد السباع لم يزل منذ قتل شتربة خاثر « 1 » النفس ، كثير الهم والحزن ، يرى أنه قد قتل شتربة بغير ذنب ، وأنه أخذه بكذب دمنة ونميمته . وهذا القاضي قد أمر أن يجلس مجلس القضاء ويبحث عن شأن دمنة ، فمن علم منكم شيئا في أمر دمنة من خير أو شر فليقل ذلك وليتكلم به على رؤوس الجمع والأشهاد « 2 » ليكون القضاء في أمره بحسب ذلك ، فإذا استوجب القتل فالتثبت « 3 » في أمره أولى والعجلة من الهوى « 4 » ، ومتابعة الأصحاب على الباطل ذل . فعندها قال القاضي : أيها الجمع اسمعوا قول سيدكم ولا تكتموا ما عرفتم من أمره ، واعتبروا في تجنب الستر عليه ثلاث خصال : أما إحداهن وهي أهمهن فألا تزدروا « 5 » فعله ولا تعدوه يسيرا ، فإن من أعظم الخطايا قتل البريء الذي لا ذنب له بالكذب والنميمة ؛ ومن علم من أمر هذا الكذاب الذي اتهم البريء بكذبه ونميمته شيئا فستر عليه فهو شريكه في الإثم والعقوبة . والثانية : أنه إذا اعترف المذنب بذنبه كان أسلم له ، والأحرى « 6 » بالملك وجنده أن يعفوا عنه ويصفحوا . والثالثة ترك مراعاة أهل الذم والفجور وقطع أسباب مواصلتهم ومودتهم عن الخاصة والعامة ، فمن علم من أمر هذا المحتال شيئا فليتكلم به على رؤوس الأشهاد ممن حضر ليكون ذلك حجة عليه . وقد قيل : إنه من كتم شهادة ميت ألجم بلجام من نار يوم القيامة ، فليقل كل واحد منكم ما علم . فلما سمع ذلك الجمع كلامه أمسكوا عن القول ، فقال دمنة : ما يسكتكم ؟ تكلموا بما علمتم واعلموا أن لكل كلمة جوابا . وقد قالت

--> ( 1 ) خاثر النفس : منقبض . ( 2 ) الاشهاد : الشهود جمع شاهد . ( 3 ) التثبت : التأني . ( 4 ) الهوى : ميل النفس من جهة الطبع . ( 5 ) تزدروا : تحتقروا . ( 6 ) الأحرى : الأولى .