ابن المقفع

157

آثار ابن المقفع

العلماء : من يشهد بما لم ير ويقل ما لا يعلم يصبه ما أصاب الطبيب الذي قال لما لا يعلمه إني أعلمه . قالت الجماعة : وكيف كان ذلك ؟ مثل الطبيب والجاهل قال دمنة : زعموا أنه كان في بعض المدن طبيب له رفق « 1 » وعلم . وكان ذا فطنة فيما يجري على يده من المعالجات ، فكبر ذلك الطبيب وضعف بصره . وكان لملك تلك المدينة ابنة وحيدة ، فأصابها مرض فجيء بهذا الطبيب ، فلما حضر سأل الفتاة عن وجعها وما تجد فأخبرته فعرف داءها ودواءها وقال : لو كنت أبصر لجمعت الأخلاط « 2 » على معرفتي بأجناسها ولا أثق في ذلك بأحد غيري . وكان في المدينة رجل جاهل فبلغه الخبر فأتاهم وادعى علم الطب وأعلمهم أنه خبير بمعرفة أخلاط الأدوية والعقاقير « 3 » ، عارف بطبائع الأدوية المركبة والمفردة ، فأمره الملك أن يدخل خزانة الأدوية فيأخذ من أخلاط الدواء حاجته . فلما دخل الجاهل الخزانة وعرضت عليه الأدوية ، ولا يدري ما هي ولا له بها معرفة ، أخذ في جملة ما أخذ منها صرة فيها سم قاتل لوقته وخلطه بالأدوية ولا علم له به ، ولا معرفة عنده بجنسه . فلما تمت أخلاط الأدوية سقى الجارية منه فماتت لوقتها . فلما عرف الملك ذلك دعا بالجاهل فسقاه من ذلك الدواء فمات من ساعته . وإنما ضربت لكم هذا المثل لتعلموا ما يدخل على القائل والعامل من الذلة بالشبهة في الخروج عن الحد ، فمن خرج منكم عن حده أصابه ما أصاب ذلك الجاهل ونفسه الملومة .

--> ( 1 ) رفق : أي رأفة وحسن رعاية . ( 2 ) الاخلاط : يريد الأدوية المختلطة . ( 3 ) العقاقير : النباتات التي يتداوى بها .