ابن المقفع
11
آثار ابن المقفع
وكان ابن المقفع كاتبا مفكرا وصاحب دعوة اجتماعية للاصلاح ، وفي دعوته هذه ، وما كان ينشره بين الناس من رسائل وغيرها ما يخالف سياسة الدولة الجديدة التي كانت تقوم على هدر الحريات وإباحة الدماء دون ما ضابط ولا قضاء . . فلما طالب ابن المقفع باصلاح القضاء ، كان كمن يريد تكبيل يدي الخليفة ومنعه عن عقاب من يشاء وقتل من يشاء دون محاكمة ولا سؤال . . ولهذا لا نستبعد أن يكون من الأسباب التي قتلت هذا الكاتب كتبه ورسائله كرسالة الصحابة ، وكليلة ودمنة ، وغيرهما لما فيها من نقد صريح لسياسة الضغط والإرهاب والديكتاتورية وتقييد الحريات . . ودعوة إلى الاصلاح والإعمار ، فما « كليلة ودمنة » في الواقع إلا دعوة اصلاحية على ألسنة الحيوانات ، ظاهرها الهزل وباطنها العظة والنقد الشنيع لسياسة قائمة ، لا يأمن المرء فيها على ماله ونفسه وحرياته . . وإذن فإن ابن المقفع لم يكن من أنصار الحكم القائم ، كان عدوا للعباسيين ، يدين بالولاء لآل علي دونهم ، وكان في الوقت نفسه فارسي الأصل ، لا يستطيع أن يتناسى كيف ظفر العرب بقومه ففرضوا عليهم دينهم ولغتهم وسلطانهم ، وإذا فقد التمس العمل عند أعمام المنصور ليأمن على نفسه ، وينعم بسلطان ونفوذ يستطيع بواسطتهما ان يصل إلى ما يريد ويرجو ويأمل . . ونحن بعد هذا لا نوجه لابن المقفع نقدا في سياسته هذه ، فلكل امرئ رأيه ، وحريته في التعبير عن أغراضه ، وخير ما نقوله في الرجل انه كان انسانا كغيره من الآدميين في عيوبهم وحسناتهم ، ولكنه كان في الوقت نفسه شيئا كبيرا في عهده ، كان مرموقا في زمنه ، ومفكرا رائعا ، أوتي من حسن الاختيار وجودة الرأي ، ما لم يظفر به الكثيرون . . آثاره ما لدينا الآن من آثار ابن المقفع بعضه مترجم ، وبعضه مما ترجمه وزاد