مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
141
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع )
آخره ) . وليست هذه الرّغبة في الثّواب المضاعف ، والثّناء الدّائم ، إلّا الزّهد في الدّنيا الفانية ، والإعراض عن زهرتها وزهوتها اللّذين شغلا طلّاب الدّنيا وعشّاق الشّهوات عن اختيار الأعمال الصّالحة المنوط بها الثّواب والكرامة . و ( منها ) إعراضه عن زهرة دنياه ، وهو في ريعان الشّباب ، وغضارة الصّبا ، العمر مقتبل والعيش غضّ وأغصان الشّبيبة يانعة ، لم يبلغ حدّ الاكتهال ، ولا درجة الاكتمال الّتي تشرف به على نقيصة العمر الطّبيعيّ ، وهي الأربعون ، فأعرض عن ذلك المحبوب الطّبيعيّ ، والمرغوب الفطريّ ، فردّ الأمان ، واستقبل الأسنّة والحداد ، وقد قال : من عرف الدّرجة الرّاقية في الزّهد هي أن يزهد في نفسه . وقال بعضهم ، الزّهد : قصر الأمل . وقد صرّح كثير من العلماء بأنّ الجهاد بإقبال وجدّ هو حقيقة الزّهد . ولهذا قال الغزاليّ في إحياء العلوم « 1 » بعد كلام تقدّم بعضه : فالحاصل أنّ الزّهد عبارة عن الرّغبة عن حظوظ النّفس كلّها ، ومهما رغب عن حظوظ النّفس ، رغب عن البقاء بها ، فقصر أمله لا محالة ، لأنّه إنّما يريد البقاء ليتمتّع ، ويريد التّمتّع الدّائم بإرادة البقاء ، فإنّ من أراد شيئا أراد دوامه ، ولا معنى لحبّ الحياة إلّا حبّ دوام ما هو موجود وممكن في هذه الحياة ، فإذا رغب عنها ، لم يردها ، ولذلك لمّا كتب عليهم القتال قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ « 2 » . فقال تعالى : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ « 3 » ، أي لستم تريدون البقاء إلّا لمتاع الدّنيا ، فظهر عند ذلك الزّاهدون ، وانكشف حال المنافقين . أمّا الزّاهدون ، المحبّون للّه تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ « 4 » ، وانتظروا إحدى الحسنيين ، وكانوا إذا دعوا للقتال يستنشقون رائحة الجنّة ، ويبادرون إليها مبادرة الظّمآن إلى الماء البارد ، حرصا على نصرة دين اللّه ، أو نيل مرتبة الشّهادة إلى آخره .
--> ( 1 ) - إحياء العلوم ص 196 ج 3 . ( 2 ) - سورة البقرة / 79 . ( 3 ) - سورة النّساء / 77 . ( 4 ) - سورة الصّفّ ، 61 / 4 .