السيد محمد تقي المدرسي
52
من هدى القرآن
[ 7 ] في ذلك اليوم لا تترك النفوس وشأنها ، بل وتقارن بأعمالها ، ثم تُلحق - حسب مقياس العمل - بأقرانها ، فأصحاب الميمنة مع أصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة مع أصحاب المشأمة ، والسابقون مع السابقين وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ، وقيل : تقرن نفوس المؤمنين بأزواجها من الحور العين ، في حين تقرن نفوس الكفار بالشياطين والجن ، والله العالم . [ 8 ] وحيث يُنصب الميزان العدل يرفع المظلوم ظلامته أمام الملأ ، ويسمح الحاكم العدل بأن تتحدث الموؤودة عن نفسها حين يسألها : بأي ذنب قتلت ؟ ! وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ أليس قد جعل الله للمظلوم سلطانا على الظالم في محكمة العدل ، وهو أول من يُستنطق فينطق ، فلذلك هي التي تُسأل حتى تشرح ظلامتها ، وقرأ بعضهم ( سَأَلَتْ ) ويحتمل أن يكون ذلك نوعا من التفسير ، وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله : [ أَنَّ المَرْأَةَ الَّتِي تَقْتُلُ وَلَدَهَا تَأْتِي يَومَ القِيَامَةَ مُتَعَلِّقاً وَلَدُهَا بِثَدْيهَا مُلَطَّخاً بِدِمَائِهِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ! هَذِهِ أُمِّي وَهَذِهِ قَتَلَتْنِي ] « 1 » . ويبدو من هذا الحديث ومن نصوص وآيات عديدة ووثائق تاريخية أن عادة الوأد كانت منتشرة في العرب ، وقد حاربتها الرسالة الإلهية بقوة حتى أقلعوا عنها ، ولعل الحديث الثاني يكشف جانبا من تلك العادة الخبيثة ، فقد روي : [ أنه جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله ! إني وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية ، قال : فَاعْتِقْ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَقَبَةً ، قال : يا رسول الله ! إني صاحب إبل ، قال : فَأهْدِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بُدْنَةً إِنْ شِئْتَ ] « 2 » . [ 9 ] بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وهذا التساؤل العريض يجعل الجاهلية كلها في أزمة حادة ، فهب أنها بررت كفرها بالرسالة ، أو سكوتها عن ظلم الأغنياء للفقراء ، أو حروبها الداخلية ، فهل لقتل البنات وبهذه الصورة البشعة أي تبرير ؟ ! إن هذا العمل القبيح يكشف زيف الفلسفة التي وراءه ، وبالتالي زيف كل القيم الجاهلية ، وذلك لأن فطرة الإنسان قد تحجب عن معرفة بعض الحقائق الخفية ، ولكنها لا يمكنها أن تتغافل عن مثل هذه الحقيقة الواضحة إنه لا يجوز المخاطرة بحياة الطفلة التي وهبها الله لوالديها ، وجعلهما حماة لها ، وأودع في أنفسهما الحنان والعطف نحوها ، بل جعلها حاجة نفسية ملحة لهما ، فكيف يجوز لهما دسها في التراب ، بل كيف مسخت شخصية هذا الأب أو تلك الأم اللذين يقومان بوأدها ، وكيف يسمح المجتمع لهما بارتكاب هذه الجريمة ، وأين ضمير المجتمع عنهما ، أين دعاة الخير والصلاح ، أين أهل الدين والتقوى ، أين الرحمة والحب والحنان ، أين أهل الثقافة والفكر ؟ ! . إن وقوع هذه الجريمة النكراء في المجتمع الجاهلي كان شاهدا على أنه قد هبط إلى أسفل
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : ج 19 ص 234 . ( 2 ) تفسير الدر المنثور : ج 6 ص 320 .