السيد محمد تقي المدرسي
53
من هدى القرآن
درك ، وهكذا نطقت الموؤودة حين سئلت بإدانة كل المجتمع الجاهلي ، وكل قيمه الزائفة . وقصة وأد البنات من أشد قصص الجاهلية بشاعة وألما معا ، وهي كما قلنا تكشف عن جوانب عديدة من الضعف في الفكر الجاهلي ، فقد حكي عن ابن عباس . . كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة ، وتمخضت على رأسها ، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة ، ووارتها التراب ، وإن ولدت غلاما حبسته ، وكان بعضهم يفتخر بذلك فيقول قائلهم « 1 » : سميتها إذ ولدت تموت * والقبر صهر ضامن زميت وقد كان في الجاهلية من يمنع الوأد ، ويسعى لنجاة الموؤودات ، مثل صعصعة جد الفرزدق حيث يقال إنه كان يشتري البنات من آبائهن ، وجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موؤودة ، حتى افتخر حفيده الشاعر المعروف « 2 » بذلك فقال : ومنا الذي منع الوائدات * فأحيا الوئيد فلم يوأد وجاء في الدر المنثور : [ عن صعصعة بن ناجية المجاشي وهو جد الفرزدق ، قال : قلت : يا رسول الله ! إني عملت أعمالا في الجاهلية فهل لي من أجر ، قال : وَمَا عَمِلْتَ ؟ قال : أحييت ثلاثمائة وستين موؤودة ، أشتري كل واحدة منهم بناقتين عشراوين وجمل ، فهل لي في ذلك من أجر ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : لَكَ أَجْرُهُ إِذْ مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ بِالإِسْلَامِ ] « 3 » . حقًّا إن تردي البشر إلى هاوية الفساد والجريمة رهيب ولولا أن تداركه رحمة الله فإنه يبلغ مستوى من الرذالة أن يدفن أبناءه أحياء ، ولعل الإشارة إلى البنات في هذه الآية ليست للحصر بل لأنهن الحلقة الأضعف والأكثر إثارة للشفقة ، إذ تدل آيات أخرى على أن الأولاد أيضا كانوا يُقتلون حيث يقول ربنا : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [ الإسراء : 31 ] . وإذا كنا نرى اليوم القوانين الرادعة لقتل الأولاد ، بل العواطف الرقيقة التي تحوط الأولاد بسياج من الرعاية الفائقة فإنما هو بفضل تعاليم الرسالات الإلهية ، ولولاها لعادت البشرية إلى سابق جاهليتها ، إذ ليست عاقبة الفلسفات المادية التي تقيم كل شيء بمنطق الفائدة والخسارة إلا مثل هذه الجرائم . ولازال بعض الناس متورطين في مثل هذه الجرائم ، وأضرب لكم ثلاثة أمثلة : المثال الأول : ما يجري في العالم وبشكل واسع من المتاجرة بالأولاد ، لاستعبادهم
--> ( 1 ) أي سماها تموت بإزاء ما يسمى الأولاد ب - ( يحيى ( ، والزميت بمعنى : الوقور والمتزمت . ( 2 ) ديوان الفرزدق : ج 1 ، ص 283 . ( 3 ) تفسير الدر المنثور : ج 6 ، ص 320 .