السيد محمد تقي المدرسي
442
من هدى القرآن
حقا : كانت لهم انجازات رائعة نتضاءل أمامها ، فكيف تسنى للعلامة الحلي - رضوان الله عليه - أن يؤلف ألف كتاب مع أمور مرجعيته وقيادته للمؤمنين ؟ ! فلولا أنه كان يتحدى آفات العلم بإرادته الصلبة لما وفق لمعشار ذلك ! مثلا عندما دعي إلى حفل زواج في مدينة بعيدة سافر إليها في عطلة نهاية الأسبوع ( الخميس والجمعة ) عاد بكتاب ( تبصرة المتعلمين ) الذي أوجز فيه الفقه الإسلامي كله ، ضمنه عشرة آلاف فرع فقهي ( قانون إسلامي ) ولا يزال الكتاب يعتبر قمة في موضوعه ، وقد تناوله كبار فقهاء المسلمين بالشرح والتعليق ، وكان يعتبر من أهم البنود الدراسية في الحوزات العلمية إلى وقت قريب . وإذا عرفنا مدى صعوبة السفر على الدواب حيث كانت الوسيلة الوحيدة للسفر في ذلك العهد ، وبالذات إذا أراد الراكب أن يؤلف عليها وبأقلام مصنوعة من القصب ، نعرف مدى الجهاد الذي كان قد مارسه عند كتابته هذا المؤلف الكبير ! . والشيخ الكبير صاحب كتاب ( جواهر الكلام ) الذي وفقه الله لتأليف موسوعة فقهية تتسع لكل أبواب الفقه . . بأدلتها التفصيلية العمل الذي عزم عليه الكثير من الفقهاء الإسلام فلم يوفقوا . . فلولا تحديه للعقبات بإرادة فولاذية إذاً ما استطاع متابعة ذلك العمل الجبار . . حتى قيل أنه أُثكل بابنه الشاب فلم يترك ما قرره على نفسه من الكتابة كل يوم ، بل انكب على الدراسة والبحث ، ولم يميز أحد حتى اليوم تلك الصفحات التي ألفها في أيام مصابه مما دل على عدم حدوث تغيير في مستوى تأليفه ! . وهكذا سار الفقهاء الذين عاش الواحد منهم أكبر من عمره الزمني أضعافا مضاعفة ثم مضوا إلى ربهم راضين مرضيين . إنهم كانوا يعرفون قيمة كل ساعة بل كل لحظة من عمرهم ، فما كانوا يستريحون حتى ينجزوا خلالها عملا صالحا ينفعهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، ذلك اليوم الذي من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ، ومن خفت موازينه فأمه هاوية ! . واليوم حين ننظر إلى سلوك المسلمين كيف فقدوا وعي الزمن ، وضيعوا فرص العمر ، وغرقوا في اللهو واللعب ، نتساءل : كيف يمكن إعادة المسلمين إلى مناهج دينهم الحضارية ، حتى يتغلبوا على مشكلة التخلف والتبعية التي هي أم المشاكل ؟ . وهذا التساؤل يشغلني كثيرا ، وقد قارنت بين منهج علمائنا السابقين القائم على تفجير الطاقات واستغلال الفرص وضغط الزمن بأي طريقة ممكنة . . . وبين منهج علماء الغرب القائم على العمل الجمعي وعلى أساس تكاتف جهود كثير من ذوي الاختصاص على عمل واحد ،