السيد محمد تقي المدرسي

433

من هدى القرآن

وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لرجل : [ هَل تَعَوذْتَ بِالله مِنْ شَيَاطِين الإِنسِ ، فَقَال : أَوَمِنْ الإِنْسِ شَيَاطِين ؟ قَالَ : نَعَم لِقَولِهِ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ] [ الأنعام : 112 ] . أتدري ما هي الحكمة في الاستعاذة التي أمرنا بها عند تلاوة الكتاب ، حيث قال ربنا فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] ؟ أوتدري ما هي الحكمة في أن ختام القرآن الاستعاذة بالله من شر الوسواس الخناس ؟ دعنا للإجابة نذكر الحقائق التالية : أولًا : قلب الإنسان يتعرض لموجتين متقابلتين ، فمن اليمين تتنزل عليه موجة رحمة إلهية ، تتمثل في ملائكة الله ، ومن اليسار تعصف به موجة غضب ونقمة الشيطان ، تتمثل في جنود إبليس أبعده الله . هكذا روي عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه قال : [ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا ولِقَلْبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوْفِهِ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ وأُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْمَلَكُ فَيُؤَيِّدُ اللهُ الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَكِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ] « 1 » . روي عن الإمام الصادق عليه السلامأنه قال : [ مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَلَهُ أُذُنَانِ عَلَى إِحْدَاهُمَا مَلَكٌ مُرْشِدٌ وَعَلَى الْأُخْرَى شَيْطَانٌ مُفْتِنٌ هَذَا يَأْمُرُهُ وَهَذَا يَزْجُرُهُ الشَّيْطَانُ يَأْمُرُهُ بِالْمَعَاصِي وَالْمَلَكُ يَزْجُرُهُ عَنْهَا وَهُوَ قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَّ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ( 17 ) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ] « 2 » . ثانياً : وقلب الإنسان بيت مظلم متهاو ، سراجه العقل ، وعماده الإيمان ، ونور العقل من نور الله ، كما أن روح الإيمان من ذكر الله ، وإذا غفل القلب عن الله عاث الشيطان فيه فسادا . لماذا ؟ لأن طبيعة الإنسان الأولية هي الجهل والضعف ، أولم يقل ربنا سبحانه : خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء : 37 ] ، وقال : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [ الروم : 54 ] ، وقال : إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [ المعارج : 19 - 21 ] ، وقال : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] . أوليس بنو آدم من تراب وطبيعة التراب العجز والضعف ، والجهل والغفلة . فإن لم يتصل القلب بنور الله لحظة بلحظة كيف يبصر الحقائق ، وقد قال ربنا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . وما لم يستمد العزيمة من الله بروح الإيمان أنى له تجاوز ضعفه وعجزه ، وتحدي الشهوات والضغوط . ثالثاً : من هنا يجأر المؤمنون إلى ربهم ألا يتركهم وشأنهم لحظة ويقولون : ( ربنا لا تكلنا

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 70 ، ص 47 . ( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 266 .