السيد محمد تقي المدرسي
434
من هدى القرآن
إلى أنفسنا طرفة عين أبدا ) . لأن في تلك اللحظة الخاطفة قد تقع الواقعة ، ألم يترك الله نبيه يونس بن متى عليه السلام وشأنه ساعة ، فدعا على قومه ، وابتلي بالسجن في بطن الحوت . وأظن أن ما صدر من الأنبياء من ترك الأولى إنما كان في اللحظات التي أوكلهم الله إلى أنفسهم ، فغفلوا ونسوا ، وسمى الله ما صدر منهم عصيانا ، ثم تاب عليهم لكي لا يزعم أحد أنهم آلهة ، ولكي يزدادوا يقينا واطمئنانا . وهكذا روي عن النبي صلى الله عليه وآله : [ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَه « 1 » عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ الله سُبْحَانَهُ خَنَسَ وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاس ] « 2 » . وهكذا ندب الإسلام مداومة الذكر فقال ربنا سبحانه : وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الجمعة : 10 ] وقال تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [ آل عمران : 41 ] . وجاء في الحديث : عن الإمام الصادق عليه السلام : [ مَا ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُ بِشَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ يُحْرَمُهَا قِيلَ ومَا هُنَّ قَالَ الْمُوَاسَاةُ فِي ذَاتِ يَدِهِ والْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ وذِكْرُ الله كَثِيراً أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ سُبْحَانَ الله والْحَمْدُ لِلَّهِ ولَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ولَكِنْ ذِكْرُ الله عِنْدَ مَا أَحَلَّ لَهُ وذِكْرُ الله عِنْدَ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ ] « 3 » . واعتبر الإمام الباقر عليه السلام ذكر الله صلاة : فقال : [ لَا يَزَالُ المُؤْمِنُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي ذِكْرِ الله عَزَّ وجَلَّ قَائِماً كَانَ أَوْ جَالِساً أَوْ مُضْطَجِعاً إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ الْآيَةَ ] « 4 » . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : [ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ إِذَا عَلِمْتُ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى عَبْدِيَ الِاشْتِغَالَ بِي نَقَلْتُ شَهْوَتَهُ فِي مَسْأَلَتِي وَمُنَاجَاتِي ، فَإِذَا كَانَ عَبْدِي كَذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْهُوَ حُلْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْهُوَ ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقّاً ، أُولَئِكَ الْأَبْطَالُ حَقّاً أُولَئِكَ الَّذِينَ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُهْلِكَ أَهْلَ الْأَرْضِ عُقُوبَةً زَوَيْتُهَا عَنْهُمْ مِنْ أَجْلِ أُولَئِكَ الْأَبْطَال ] « 5 » . بلى ، ولكن إذا ترك المؤمن ذكر الله فإنه ليس يتعرض فقط لغواية الشيطان والسقوط في أشراكه ، بل وأيضا قد يتعرض لأخطار مادية . كذلك جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام : [ يَمُوتُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ مِيتَةٍ يَمُوتُ غَرَقاً ويَمُوتُ بِالْهَدْمِ ويُبْتَلَى بِالسَّبُعِ ويَمُوتُ بِالصَّاعِقَةِ ولَا تُصِيبُ ذَاكِرَ الله عَزَّ وجَلَّ ] « 6 » . وفي رواية أخرى : [ لا يصيبه وهو يذكر الله ] .
--> ( 1 ) الخطم : أنف الإنسان ، مقدم أنف الدابة . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 60 ص 194 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 93 ص 151 . ( 4 ) وسائل الشيعة : ج 7 ص 150 ، تفسير العياشي : ج 1 ص 211 . ( 5 ) بحار الأنوار : ج 90 ص 162 . ( 6 ) الكافي : ج 2 ص 500 .