السيد محمد تقي المدرسي

417

من هدى القرآن

النور التخلص منها ، فكان كمن دخل الوحل كلما أراد الخروج منها ارتطم فيها أكثر ، فكانت الكائنات من تداخلهما . وتطورت هذه الفلسفة عند البعض فقالوا : إن الخالق تَنَزل من عرشه فأصبح المخلوقات ، وقال بعضهم : إن الله سبحانه فاض بوجوده فكانت الكائنات وهكذا رققوا العبارات ولكنهم لم يغيروا من جوهر النظرية شيئا . إن كل هذه الفلسفات قائمة على أساس التولد يقتضي تطورا في ذات الشيء وهو يتنافى وتعاليه سبحانه . ولا فرق إذا أن تكون الولادة كثيفة كما الثمر من الشجر أم لطيفة كولادة الفكر من القلب ، أليس القلب تطور حتى يفرز الفكر ، كما ينفعل الشجر حتى يخرج الثمر ؟ كلا . أن الخالق سبحانه قد أنشأ الكائنات من دون كيفية ولا تعب ولا معالجة ولا تفاعلات في ذاته أو تطورات سبحانه ، وحين ينتفي التولد منه ينتفي تولده من غيره ، لأن ما لا ينقص لا يزيد ، أو قل : لا يحتاج إلى زيادة . ونفي الولادة بكل جوانبها ومعانيها يضع المخلوق في موقع العبودية المطلقة وينفي إضفاء أي نوع من القداسة الذاتية على أي شيء أو شخص من خلق الله إلا قيم الوحي الناشئة من دين الله ، وهكذا يتساوى الخلق أمام الخالق ، وأمام دين الخالق ولا يجوز لأحد أن يتعالى على غيره بزعم أنه أقرب إلى القدوس ذاتياً ، وتبطل كل المذاهب العنصرية الظاهرة منها ، والخفية . [ 4 ] وإذا اهتدينا إلى أن الله صمد لا جزء له ، ولا تطور ، ولا ولادة ، فقد ارتفع الحجاب الأكبر الذي بيننا وبين الله ، حجاب التشبيه الذي ينشأ من جهل الإنسان ، ونقص مداركه . فلأن الإنسان لا يرى إلا نفسه والمخلوقات ، يقيس خالقه بنفسه طوراً ، والكائنات أطواراً . غافلًا على أن هذا القياس يتنافى والاعتقاد بالخالق أصلًا . أما إذا تذكر الإنسان هذه الحقيقة فإن الشبهات تنماث من ضميره حتى يتطهر من أدرانها ، ويتهيأ قلبه لاستقبال نور المعرفة . ويبدو أن كلمات الذكر الأساسية تذكرنا بهذه الحقيقة ، أوليس التكبير هو تعظيم الله من الوصف . [ الله أكبر من أن يوصف ] والتسبيح هو تقديسه عما يخطر ببال البشر . من نقص وعجز ، وشبه ونظير ، وكذلك التهليل : نفي الشريك له ، وهكذا يقول ربنا في ختام سورة الإخلاص : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فإذا أردت معرفته أسقط عن نفسك قياسه بخلقه ، وتسام عن دائرة المخلوق إلى أفق الخالق ، ومن محيط الشهادة إلى أفق الغيب ، ومن البحث عن الذات إلى تلقي نور الأسماء . ونفي المثيل والنظير نفي لكل صفة عجز وحد ونقص في الخالق ، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما سأله بعضهم عن معاني سورة الإخلاص قال : [ قُلْ هُوَ الله أَحَد بِلَا تَأْويل عَدَد ، الصمَد بِلا تَبْعِيضِ بِدَد ، لَمْ يَلِدْ فَيَكُونُ مَورُوثاً هَالِكاً ، وَلَمْ يُولَدْ فَيَكون إِلهاً مُشَارِكاً ، وَلَمْ يَكُن لَهُ مِن خَلقِهِ كُفْواً أَحَد ] « 1 » .

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 725 .