السيد محمد تقي المدرسي

415

من هدى القرآن

فإنه يسمى بالصمد لأنه لا يتزلزل . ولأن صفات الدوام والأحدية وما أشبه ناشئة من صفة الصمد ؛ فإنها ذكرت من معاني الصمد ، كما جاء في حديث مأثور عن الإمام زين العابدين عليه السلام حينما سئل عن معنى الصمد فقال : [ الصَّمَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُ شَيْءٍ وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْء ] « 1 » . وصفة الصمدية تتجلى أيضا في أنه لم يلد ولم يولد ، إذ ولادته دليل إضافة جزء إليه لم يكن فيه ، أو انفصال جزء منه كان فيه ، والصمد الذي لا أجزاء له ، لا يتصور فيه زيادة ( بالتولد ) ولا نقيصة ( بالإيلاد ) . من هنا فسر الإمام الحسين عليه السلام معنى الصمد في السورة بالآية التالية فقال : [ فَقَالَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ثُمَّ فَسَّرَهُ فَقَال لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ لَمْ يَلِدْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيفٌ كَالْوَلَدِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْكَثِيفَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ وَلَا شَيْءٌ لَطِيفٌ كَالنَّفْسِ وَلَا يَتَشَعَّبُ مِنْهُ الْبَدَاوَات « 2 » كَالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالْخَطْرَةِ وَالْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْبَهْجَةِ وَالضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالرَّغْبَةِ وَالسَّأْمَةِ وَالْجُوعِ وَالشِّبَعِ تَعَالَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيفٌ أَوْ لَطِيف وَلَمْ يُولَدْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ شَيْءٍ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ شَيْءٍ كَمَا تَخْرُجُ الْأَشْيَاءُ الْكَثِيفَةُ مِنْ عَنَاصِرِهَا كَالشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ وَالدَّابَّةِ مِنَ الدَّابَّةِ وَالنَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ مِنَ الْيَنَابِيعِ وَالثِّمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ وَلَا كَمَا تَخْرُجُ الْأَشْيَاءُ اللَّطِيفَةُ مِنْ مَرَاكِزِهَا كَالْبَصَرِ مِنَ الْعَيْنِ وَالسَّمْعِ مِنَ الْأُذُنِ وَالشَّمِّ مِنَ الْأَنْفِ وَالذَّوْقِ مِنَ الْفَمِ وَالْكَلَامِ مِنَ اللِّسَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّمْيِيزِ مِنَ الْقَلْبِ وَكَالنَّارِ مِنَ الْحَجَرِ لَا بَلْ هُوَ اللهُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ وَلَا فِي شَيْءٍ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مُبْدِعُ الْأَشْيَاءِ وَخَالِقُهَا وَمُنْشِئُ الْأَشْيَاءِ بِقُدْرَتِهِ يَتَلَاشَى مَا خَلَقَ لِلْفَنَاءِ بِمَشِيئَتِهِ وَيَبْقَى مَا خَلَقَ لِلْبَقَاءِ بِعِلْمِهِ فَذَلِكُمُ اللهُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد ] « 3 » . وهكذا استوحى الإمام الحسين عليه السلام من كلمة الصمد معاني لطيفة في التوحيد ، ولو تدبرنا في معنى الصمد اللغوي الذي قلنا : بأنه المصمت الذي لا جوف له عرفنا كيف أنها صفة يتمايز فيها الخلق عن الخالق ، فلا شيء من الخلق إلا وهو مركب من أجزاء في الواقع ، وفي العقل ، وفي الوهم ، والتصور إلا الله الذي جل عن تركيب الصفات في أي أفق من تلك الآفاق . إننا حسب معلوماتنا المحدودة عن الجسم نعرف أن كل شيء مركب من ذرات صغيرة ، وأن في هذه الذرات فراغات هائلة ، بحيث لو تصورنا طنا من الخشب يقع في مساحة عدة أمتار مربعة ، ثم افترضنا أننا أعدمنا الفراغات في ذراتها لأصبحت في حجم صغير لا يقاس مع

--> ( 1 ) التوحيد : ص 90 . ( 2 ) لعل معناها الطوارئ من الحالات المختلفة . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 223 .