السيد محمد تقي المدرسي

404

من هدى القرآن

مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا وفي يوم الدار حيث جمع النبي عشيرته الأقربين لينذرهم حسب أمر الله له ، فلما طعموا وشربوا ، قال أبو لهب : [ سحركم محمد صلى الله عليه وآله إن أحدنا ليأكل الجذعة ( ولد الشاة في السنة الثانية ) ويشرب العس ( القدح الكبير ) من اللبن فلا يشبع ، وإن محمدا قد أشبعكم من فخذ شاة وأرواكم من عس لبن ] . وفي يوم الإنذار العام ، حينما صعد النبي صلى الله عليه وآله الصفا ، فهتف يا صباحاه ! فقالوا : من هذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد ، فاجتمعوا إليه ، فقال لهم : [ أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ ! [ قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، قال : نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [ سبأ : 46 ] ، فقال أبو لهب : تبا لك أما جمعتنا إلا لهذا ، ثم قام ] « 1 » . هكذا أصبح عم النبي من أشد الناس عداوة له ، وأكثرهم إيذاء ، أوليس الناس يزعمون أنه أعرف بالنبي من غيره باعتباره عم النبي وسيد عشيرته ؟ وهكذا نزلت السورة الكريمة في شأنه : أولًا : ليفصح للناس مدى عداوته للنبي ، فلا يعتبرونه خبيرا بشأنه ، بل حسوداً كنودا وعدواً لدودا ، ولا يأبهون بكلامه في حق النبي . ثانياً : لكي لا يزعم أحد أن قرابته للنبي تمنحه البراءة من النار ، والتحلل عن مسؤوليات الشريعة ، فهذا عم النبي يختص بالتقريع ، وتنزل في ذمه سورة باسمه مما لا نجده في حق أي من أعداء النبي المعاصرين له . تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ قالوا : تبت : أي هلكت ، أو خسرت ، أو خابت ، أو صغرت ، أو قطعت ، ولا بأس بتصور معنى جامع للكلمة تشتمل كل هذه المعاني . وقالوا في كنية الرجل أنها كانت بديلا عن اسمه ، فلم يكن ذكر كنيته شرفا له بل ذما ، لأن اللهب يعني شرر النار ، ونعت أحد به لا يشرفه ، وقد جعله الله عليه لهبا يوم القيامة ، ثم إن اسمه كان عبد العزى ، ولم يكن مناسبا ذكر هذا الاسم في كتاب ربنا ، الذي يفيض بنور التوحيد والحنفية الطاهرة . وَتَبَّ هلك الرجل وخاب وخسر . قالوا : الكلمة الأولى دعاء عليه ، وذكر اليد إشارة إلى الشخص ذاته ، وهكذا تكني العرب عن الشيء بجزء ، فتقول مثلا يد الرزايا ، أو يد الدهر ، أو ما أشبه ، قال الشاعر : ولقد مررت على ديارهم * أطلالها بيد البلا نهب

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 18 ص 164 .