السيد محمد تقي المدرسي

405

من هدى القرآن

أما الكلمة الثانية وَتَبَّ فهي خبر ، أي أن أبا لهب قد هلك فعلا ، وبذلك وقعت اللعنة المتوقعة عليه . ويبدو لي أن الكلمة الأولى دعاء على صفقة يديه وما تكسبه من فعل ، والثانية عليه شخصيا ، أو أن الثانية توضيح وتأكيد للأولى ، ذلك أن سبب هلاك الإنسان ما تجنيه يده ، فاللعنة تتوجه إليها ، ثم إليه لأنه المسؤول عن فعلهما ، ولعل في الآية الثانية إشارة إلى ذلك . [ 2 ] أبو لهب - كما سائر المستكبرين والمعاندين - يتكلون على أموالهم وإمكاناتهم في مواجهة الحق ، ولكن عندما يحين ميعاد الجزاء العادل لا يغني عنهم ذلك شيئا . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ فلا ثروته تغنيه عن الله شيئا ، ولا ما اكتسبه بها وبغيرها من جاه وقوة ، ومكانة اجتماعية . وهكذا يكون ما كسب أعم من المال ، لأن المال بدوره من مكاسب الفرد ، وقيل : أن وَمَا كَسَبَ هو أولاده ، ولعل الولد يعتبر مما يكتسبه الإنسان . [ 3 ] كلا . . النار تنتظره وسيصلاها ، ليتحسس مباشرة حرها وألمها ، وإذا كان أبواه قد وجدوا في وجنتيه لهباً اجتذبهم حتى كنياه بأبي لهب ، فإن هذا الجمال الظاهري لم ينفعه ، بل تحول في العقبى إلى نار لاهبة تحرقه . سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ . [ 4 ] وامرأة أبي لهب كانت أخت أبي سفيان ، وعمة معاوية ، وكانت - حسب الروايات - عوراء ولكنها سميت أم جميل ، وكانت بذيئة اللسان ، متكبرة ، وشديدة العداء للرسول ولدعوته ، كعداء أخيها أبي سفيان . قالوا : [ أنها كانت بالغة الثراء ، ولكنها من بخلها وشحها كانت تحمل الحطب ولا تشتريه ] ، وربما ألقت الأشواك في طريق النبي وسائر المسلمين إيذاءً لهم ، وهكذا ألحقها الله بزوجها . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وجاءت كلمة حَمَّالَةَ الْحَطَبِ منصوبة للدلالة على ذمها ، وقد اختلفوا في تفسير الكلمة : هل نعتت بالبخل ، وكيف أنها تدعي الشرف ، وتحمل الحطب ؟ أو أنها ذمت لإلقائها الأشواك في طريق النبي ؟ أو لأنها كانت تمشي بالنميمة ، والعرب تسمي من يفعل ذلك بحامل الحطب لأنه يشعل نار الفتنة بين الناس ؟ وأنشدوا : إن بني الأدرم حمالو الحطب * هم الوشاة في الرضا وفي الغضب إن أم جميل امرأة أبي لهب أتته حين نزلت سورة تبت ومع النبي صلى الله عليه وآله أبو بكر بن أبي قحافة فقال : يا رسول الله هذه أم جميل محفظة أي مغضبة تريدك ومعها حجر تريد أن ترميك به فقال : إنها لا تراني فقالت لأبي بكر أين صاحبك ؟ قال : حيث شاء الله . قالت : لقد جئته ولو