السيد محمد تقي المدرسي
14
من هدى القرآن
بها يبقى غريبا ، لذلك قال بعضهم : إنه لا خلاف في تفسير هذه الآية بالملائكة أنى فسروا سائر الآيات ، ويبدو أن المراد بكل هذه الكلمات نوع واحد من الخلائق أي الملائكة ، والله العالم . [ 6 ] وأنى كان تفسير هذه الكلمات الصاعقة فإنها تهز الضمير ، بل ويزداد المرء هلعا حين لا يعلم المراد منها بالضبط ، وهنا يقول الرب : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ حين تزلزل الأرض زلزالها ، حين تعم الصيحة أرجاء الكون ، حين تهتز كل الثوابت فلا يبقى ما يعتمد عليه الإنسان سوى الحق . وسواء كانت الرجفة بمعنى الحركة كقوله سبحانه : يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ [ المزمل : 14 ] ، أم بمعنى الصيحة كما قال سبحانه : فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ [ الأعراف : 78 ] ، فإنها تخلع القلوب هلعا ، وتبعثنا نحو التفكير الجدي فيما يفعل بنا غدا . [ 7 ] وبعد الرجفة هناك صاعقة أخرى يدعها السياق مجهولة تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ الرادفة الشيء يقع بعد شيء آخر ، فهل هي الصيحة الثانية التي يُحيي بها الله الناس بعد أن يميتهم بالأولى ، أم أن عند الأولى يموت أهل الأرض في حين يموت عند الثانية أهل السماوات ؟ ! أنى كانت فإنها صاعقة فظيعة تبعث الهيبة في أنفسنا . [ 8 - 9 ] تتسارع نبضات قلوب الفجار فأنى لهم الفرار من أهوال الساعة وقد ضيعوا فرصهم في الدنيا فلم يدخروا لأنفسهم ما ينجيهم منها ؟ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ( 8 ) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ أما المؤمنون فإنهم آمنون من فزع يومئذ ، لأنهم قد وفروا لأنفسهم من صالح الأعمال ما يبعث في أنفسهم السكينة . [ 10 ] طالما كفروا بالنشور ، وبنوا كل مواقفهم على أساس هذا الكفر ، فإذا بهم يكتشفون خطاهم يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ قالوا : رجع فلان في حافرته أي في طريقته التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه . وهكذا يبعدون البعث لأنفسهم حتى لا يتحملوا مسؤولياته . [ 11 ] ويحاولون تبرير استبعادهم للبعث بأنه كيف يمكن إعادة هذه الأعظم البالية التي تنخر فيها الرياح لما فيها من ثقوب كثيرة . أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً قال الخليل : [ نخرت الخشبة إذا بليت فاسترخت حتى تفتت إذا مست ، وكذلك العظم الناخر ] « 1 » ، وقيل : الناخرة من العظم ما فرغت وخرج منها صوت بسبب هبوب الرياح . [ 12 ] ثم عادوا إلى الواقع وقيَّموا موقفهم الجاحد فقالوا : إذا كانت القيامة حقًّا فإنهم الخاسرون لكفرهم بها قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ولعل هذا القول كان اعترافا منهم يدانون به
--> ( 1 ) كتاب العين : الخليل الفراهيدي : ج 4 ، ص 251 .