السيد محمد تقي المدرسي

15

من هدى القرآن

يوم القيامة ، أو جحودا بعد اليقين وعنادا بعد الإذعان . وقيل : إنما هو استهزاء وسخرية . [ 13 ] دعهم يقولوا ما يشاؤون فإن القيامة واقعة ، وبزجرة واحدة تراهم قياما في الساهرة فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ زجر البعير إذا صاح عليه ، ويبدو أن المراد منها النفخة الثانية التي يُحيي بها الله من في القبور . [ 14 ] فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ الساهرة الأرض المستوية سميت بذلك لأن سالكها لا ينام فيها خوفا منها . ويبدو أن الساهرة هي وجه الأرض في مقابل باطنها حيث إنهم كانوا في باطن الأرض فتحولوا إلى ظاهرها . [ 15 ] حقيقة كيوم القيامة ، عندما تدق ساعة الحساب الرهيب ، جديرة بأن نتذكرها ، بل نجعلها نصب أعيننا أبدا حتى نكيِّف على أساسها كل أبعاد سلوكنا وكل جوانب تفكيرنا ، ومن أجل هذا بعث الله الرسل لكي ينذروا الطغاة لعلهم يخشون من تلك العاقبة ، ولكنهم تمادوا في غيهم حتى أهلكهم الله وعجل بهم الله إلى النار ، فهل لنا أن نعتبر بتاريخهم المأساوي ؟ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى بلى ، ولكن هل اعتبرت بهذا الحديث ؟ فإن لم تكن اعتبرت به فكأنك لم تسمعه أبدا . [ 16 ] لقد بدأت قصته بدعاء ربه ، عندما صار في الوادي المقدس طوى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى لقد تقدست تلك الأرض بالوحي . ولعل اسمها كان طوى أو أن هذه صفة الأرض من الطي كأنها طويت بالقداسة أو طويت بموسى حيث قربته إلى الرسالة . ولعل طوى صفة لكل أرض مباركة حيث أن سالكها يتمتع بالسير فيها حتى وكأنها تطوى له . [ 17 ] ثم أمره الرب بأن يذهب إلى رأس الطغيان والفساد فرعون اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى وبالرغم من طغيانه لم يدعه الله بلا نذر ، ولم يهلكه قبل أن يبعث إليه رسولا ، ليتم الحجة عليه . [ 18 ] وتلخصت رسالة الوحي إليه في دعوته إلى التزكية وإصلاح نفسه ، وعدم هلاكها بالاستمرار في الطغيان . سبحانك يا رب ما أرحمك بعبادك ، وكيف تريد لهم الفلاح ويأبون إلا التمادي في الفساد فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى . [ 19 ] فإذا تزكى المرء ، وتطهر من العناد والغرور والكبر ، كانت نفسه مهيأة لاستقبال نور الإيمان عبر رسول الله ، فإذا هداه الله إليه بالرسول خشعت نفسه وتخلص جذريًّا من حالة الطغيان وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى .