السيد محمد تقي المدرسي

50

من هدى القرآن

فَلَا يَكُونُ مُكَلَّفاً لِلْفِعْلِ إِلَّا مُسْتَطِيعا ] « 1 » كما قال تعالى : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا » البقرة : 286 ] . إذن فتقوى الله بقدر ما يستطيع الإنسان هي حق التقاة نفسها . الثاني : أن تقوى الله حق تقاته تختلف من إنسان إلى آخر باختلاف الظروف والإمكانات الذاتية ، فتقوى الأعرج والأعمى والمريض تختلف عن تقوى السليم في بدنه ، وتقوى العالم تختلف عن تقوى الجاهل ، وتقوى السجين تختلف عن تقوى الحر ، وهكذا . . فإذا ما بذل الإنسان كل ذرة من جهد يستطيعه فقد اتقى ربه حق تقاته عمليًّا . ولذلك فرَّق تعالى في الكم بين إنفاق الموسع والمقتر فقال : « لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ » [ الطلاق : 7 ] . ونستوحي من الآية : أن المؤمن يجب أن يكون واقعيًّا في نظرته إلى الدين ، فيتقي الله حسب استطاعته ومكنته ، وإذا لم يستطع فلا يؤنب نفسه ولا يقنط من رحمة الله ، بل يفعل بقدر وسعه . مثلا : من لم يستطع طَوْلا أن يصلي قائما فلا يترك صلاته رأسا ، بل يصليها عن جلوس ، ومن لم يستطع أن يعارض حاكم السوء فلا يجاريه بقلبه بل يتقيه ظاهرا ويستمر في مقاومته في السر ، وهكذا . . قال تعالى : « لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً » [ آل عمران : 28 ] ، وقال : « مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ » [ النحل : 106 ] . والحاصل : أن الإنسان حينما يضطر إلى التقوى الممكنة عمليًّا لسبب مشروع فهو في الواقع صار إلى التقوى المأمور بها ، لأن تقوى الله حق تقاته تكون بالتزام أحكامه سواء كانت أحكاما أولية أو ثانوية ، وقد لا تحرز التقوى بحق إلا بتجاوز بعض الأحكام وأكل الميتة والعمل ظاهريًّا في جهاز الحكم الجائر ، كما أكد ذلك الإمام الكاظم عليه السلام لصاحبه علي بن يقطين الذي أراد الاستقالة من الوزارة في عهد هارون حيث منعه وبيَّن له أن بقاءه هو الواجب المطلوب شرعا . والآية الكريمة التي نحن بصددها تعبير عن النظرة الواقعية في الإسلام ، وينبغي للحركات الرسالية اعتبارها أصلا من أصول التحرك حيث إن النظرة المثالية إلى الشريعة تجعل الأولويات ضحية للأمور الثانوية والأصول ضحية للفروع . « وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا » فالمهم إذن

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 35 .