السيد محمد تقي المدرسي
51
من هدى القرآن
ليس الاستماع إلى كلام الله وتوجيهات القيادة الرسالية فقط ، إنما الأهم هو الطاعة والاتباع ، لأن التوجيه لا يؤثر في الواقع إلا إذا سلَّمنا له وعملنا بمضامينه ، وبالذات تلك التي تتطلب من الإنسان التضحية لأنها الأصعب ، والتزام الإنسان بها مؤشر على عمق إيمانه ، واقتحامه عقبة الشح الكبرى . لذا قال تعالى : « وَأ نفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ » أي أن الإنفاق يعود على صاحبه بالخير ، فهو يزكي النفس ويزيد إيمانها ، ويتقدم بالمجتمع اقتصاديًّا لما يسببه من نماء في الثروة وتدوير لها . وللآية تفسير آخر هو : أنفقوا خيرا في مقابل الشر ، فإن الخير هو الذي يعود للنفس والمجتمع بالنفع . « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ » وشح النفس هو مجموع الصفات السلبية التي تعبر عن حب الذات وحب الدنيا ، كالبخل والحرص والعنصرية وما أشبه ، وإذا انتصر الإنسان على شح نفسه صار من المصلحين لأنه جذر كل ضلال وانحراف ومعصية في حياة البشر ، ولأن الانتصار عليه يفتح الطريق له نحو كل فضيلة وصلاح ، ولذلك يحدثنا أبو قرة فيقول : رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ الله ( الإمام الصادق عليه السلام ) يَطُوفُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى الصَّبَاحِ وهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي ، فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِغَيْرِ هَذَا فَقَالَ عليه السلام : وأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنْ شُحِّ النَّفْسِ ؟ إِنَّ الله يَقُولُ : « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ » ] « 1 » . والإنفاق من أهم العوامل التي تقضي على شح النفس ، جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام : مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ فَقَد وُقِيَ شُح نَفْسه ] « 2 » . والتعبير بالمبني للمجهول « يُوقَ » إشارة لحاجة الإنسان الماسة إلى التوفيق الإلهي في التغلب على هذه الرذيلة . « إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ » ما هو القرض هنا ؟ قال بعضهم : هو الدَّين ، وقال البعض : بل هو كل إنفاق ، أو الإنفاق المندوب ( بينما الأول كان في عموم الإنفاق ) . وأنى كان فإن لكل هذه المفردات آثارا مباركة في حياة الفرد والمجتمع ، ولها أيضا آثار معنوية تتصل بمصير الإنسان في الآخرة ، إذ تسبب غفران الذنوب باعتبارها من الحسنات الكبيرة التي تشفع في السيئات . « وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ » فهو يرد القرض مضاعفا بشكره ، ويغفر الذنوب بحلمه . [ 18 ] وكلما كان الإنفاق أصفى من شوائب الرياء والسمعة والمن والاستكبار وابتغاء المصالح المادية كان أقرب إلى الله وأنفع للنفس وأزكى لها ، وربما لذلك ختمت السورة بالتذكرة بأسماء الله : « عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ » يعرف ما ينفق ، ويعرف لماذا وبأية نية . « الْعَزِيزُ »
--> ( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 7 ، ص 30 ، تفسير القمي : ج 2 ص 372 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 383 .