السيد محمد تقي المدرسي

49

من هدى القرآن

مَا زَالَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ الْمَشْئُومُ عَبْدُ الله ] « 1 » ، لأنه الذي دفعه إلى حب الدنيا والرئاسة ، وحرَّضه على الحرب ضد الإمام عليه السلام . وهذه البصيرة تجعل المؤمن يتصرف تصرفا معتدلا مع أمواله وأولاده ، فلا يفرط في حق أبنائه ، ولا يبذر في صرف أمواله ، إنما يتبع طريقا وسطا يزن كل موقف منه تجاههما بدقة ، ويتصرف بحكمة ، ويتجنب الاسترسال في موقف إيجابي أو سلبي . وهكذا روى المفسرون حديثا عن الرسول صلى الله عليه وآله نستلهم منه معنى إيجابيًّا للفتنة ، وأنها لا تعني طرد الأولاد أو نبذ الأموال ، بل التصرف الحكيم معها . الحديث كما يلي : روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله يَخْطُبُ فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عليهما السلام وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وآله : صَدَقَ اللهُ : « إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ » فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا ] « 2 » . ثم أخذ في خطبته . [ 16 - 17 ] وليس من درع يتحصن به المؤمنون ضد الفتن أفضل من تقوى الله : أولًا : لأنها الحبل المتين الذي يوصل الإنسان بربه في كل مكان وفي كل لحظة من عمره ، وفي كل سعي وقول يصدر عنه . ثانياً : السماع لله ولرسوله والطاعة لهما . ثالثاً : الإنفاق في سبيل الله والتضحية بكل ما يملكه الإنسان ، فإن ذلك هو السبيل المستقيم لنيل ما عنده تعالى من الأجر ، والانتصار على شح النفس الذي هو أساس كل انحراف في حياة البشر ، وبالتالي الفلاح الحقيقي في الدنيا والآخرة . « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » وهذه الآية بيان لقول الله في موضع آخر : « اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ » [ آل عمران : 102 ] ، وذلك من وجهين : الأول : أن الله سبحانه حينما فرض التقوى على الإنسان أعطاه من الاستطاعة ما يمكنه بها إحرازها كما يريدها منه تعالى ، قال الإمام الصادق عليه السلام : مَا كَلَّفَ اللهُ الْعِبَادَ كُلْفَةَ فِعْلٍ وَلَا نَهَاهُمْ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى جَعَلَ لَهُمُ الِاسْتِطَاعَةَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُم ] « 3 » . وقال عليه السلام : وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 41 ، ص 145 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 43 ، ص 300 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 38 .