السيد محمد تقي المدرسي

419

من هدى القرآن

إِلَّا لِقَاؤُكَ ، وَشَوْقِي إِلَيْكَ لَا يَبُلُّهُ إِلَّا النَّظَرُ إِلَى وَجْهِكَ ، وَقَرَارِي لَا يَقِرُّ دُونَ دُنُوِّي مِنْكَ ، وَلَهْفَتِي لَا يَرُدُّهَا إِلَّا رَوْحُكَ ، وَسُقْمِي لَا يَشْفِيهِ إِلَّا طِبُّكَ ، وَغَمِّي لَا يُزِيلُهُ إِلَّا قُرْبُكَ . . . فَيَا مُنْتَهَى أَمَلِ الْآمِلِينَ ، وَيَا غَايَةَ سُؤْلِ السَّائِلِينَ ، وَيَا أَقْصَى طَلِبَةِ الطَّالِبِينَ ، وَيَا أَعْلَى رَغْبَةِ الرَّاغِبِين . . . أَسْأَلُكَ أَنْ تُنِيلَنِي مِنْ رَوْحِ رِضْوَانِكَ وَتُدِيمَ عَلَيَّ نِعَمَ امْتِنَانِك ] « 1 » . ونلاحظ أن إيحاء الآيات ينتهي إلى هدف واحد هو بيان أن الأبرار في راحة تامة عند ربهم في الآخرة ، « مُتَّكِئِينَ . . . وَدَانِيَةً . . . وَذُلِّلَتْ . . . وَيُسْقَوْنَ . . . وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ . . . وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ » ، وذلك لأنهم في الدنيا يتعبون أنفسهم في خدمة الناس وبالأعمال الصالحة لوجه الله ، ويمسهم من ذلك الكثير من التعب ، وليس أنسب لتسكين أنفسهم وإشباع تطلعاتهم من بيان ما يصيرون إليه من الراحة في الآخرة « إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً » وهذا جواب نيتهم الخالصة لوجهه تعالى وقولهم : « إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً » ، فحيث ترفَّعوا عن أي رياء ومطمع مادي من وراء عملهم الصالح وإنفاقهم في سبيل الله جازاهم ربهم على ذلك خير الجزاء وشكر سعيهم بأفضل الشكر . وإن إشعار المؤمن في الجنة بأن كل تلك النعم العريضة الواسعة هي شكر لأعماله وجزاء أخلاصه أن هذا الإشعار بذاته كرامة جديدة لأهل الجنة ونعمة كبيرة ، إذا يجعلهم في نهاية الراحة النفسية أن اختيارهم في الدنيا كان صائبا وأعمالهم كانت مقبولة . [ 23 - 26 ] وحيث حدَّثنا ربنا عن نعيم الأبرار فإن نفوسنا لا ريب ستتوق إليه ، والقرآن يستجيب لهذه الصفة الفطرية بتوجيه تمنيات الإنسان وتطلعاته ضمن قناتها الصحيحة حيث العمل بالمنهج الحق الموصل إلى ذلك النعيم ، ومن هذا المنطلق تأتي الإشارة إلى القرآن الكريم « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا » أي مُنَجَّمًا وليس دفعة واحدة ، وذلك يتماشى مع هدف القرآن ، وهو بناء شخصية الأبرار في كل الأبعاد ، حتى ترتقي إلى قمة ذلك الرضوان والنعيم الإلهي السامقة درجة درجة . ومن أراد الوصول إليها فإن الطريق واحد ، وهو أن يترك الأماني والظنون المجردة إلى السعي والاجتهاد على هدى كتاب الأبرار والسمو عبر معراج آياته . وهذا بحاجة إلى الصبر على العقبات ، فإن طريق الجنة عموما محفوف بالمكاره فكيف إذا كان الهدف هو أعلى درجاتها وأفضلها ( درجة الأبرار ) ؟ . إن بلوغ هذا الهدف العظيم يستدعي الحقائق التالية : أولًا : التسليم المطلق لقضاء الله وقدره ، وسننه في الخليقة وشرائعه « فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ » ،

--> ( 1 ) الصحيفة السجادية : مناجاة المفتقرين .