السيد محمد تقي المدرسي

420

من هدى القرآن

وحكم الله هو تدبيره لخلقه ورسالته إلى الناس ، والمؤمن بحاجة إلى الاستقامة والتحمل كي يجني ثمار التوكل على ربه والتسليم لأمره ورسالته ، فقد نطبق رسالة الله ولكن ليس بالضرورة أن نحصل على النتائج مباشرة ؛ إذن يجب أن ندع الاستعجال ونفوِّض أمرنا إلى الله سبحانه دون أن نتأفف مِمَّا يقدره الرب أو نضجر من طول الانتظار . ثم إن تطبيق القرآن يستلزم روح الصبر ، لأنه يضع الإنسان أمام قرارات صعبة وتحديات كثيرة في ذاته وفي المحيط ، وتجرُّع مرارة الصبر على كل ذلك ضرورة أساسية لبلوغ أهداف الرسالة وتطلعاتها . ثانياً : الاستقامة أمام الضغوط ، لأن الإنسان حينما يقرر العمل بالقرآن وتغيير نفسه وواقعه على هدى آياته فسوف تتوالى عليه الضغوط المختلفة من قبل الآخرين الذين لا يريدون الإصلاح ولا التغيير اجتماعيًّا وسياسيًّا ، وبالذات أولئك الذين تقوم مصالحهم على أساس الواقع المتخلف والفاسد كالمترفين وأصحاب السلطة ، أو الذين تتعارض أفكارهم وثقافتهم المبدئية مع خط الرسالة وقيمها . أما وسائلهم في الضغط فهي تختلف فقد تكون مباشرة ، كما يفعل الحكام الطغاة ضد المؤمنين تارة بالترغيب وتارة بالترهيب ، وقد تكون عبر الإعلام والمواقف الاجتماعية والاقتصادية و . . ، ولا بد لكل مؤمن يختار طريق الحق أن تكون هذه الصورة الواقعية حاضرة في وعيه ، حتى لا يتفاجأ من جهة ، ولكي يستعد نفسيًّا وعمليًّا لمواجهتها . « وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً » قال الزمخشري : معناه : ولا تطع منهم راكبا لما هو إثم داعيا لك إليه ، أو فاعلا لما هو كفر داعيا لك إليه ، لأنهم إما أن يدعوه لمساعدتهم على فعل ما هو إثم أو كفر ، أو غير إثم ولا كفر ، فنُهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث ] « 1 » . والذي يظهر لي أن الآية تشمل المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ولكنهم يرتكبون الإثم ويريدون الباطل ، كما تشمل الكفار الذين يبالغون في الكفر ويعادون الحق بصورة صريحة وظاهرة . ثالثاً : الروحية العالية ، وذلك لأن هزيمة الإنسان وانتصاره واستقامته وتراجعه كل أولئك يرتكز على قوة إرادته وصلابة شخصيته ، فعلى المؤمنين أن يشحذوا عزائمهم ، ويوفروا إرادتهم ، وينمُّوا قوة شخصياتهم ، حتى يرتفعوا إلى مستوى الالتزام بالرسالة ومقاومة التحديات في الدنيا ، وإلى مستوى الأبرار ونعيمهم في الآخرة . وذِكْرُ الله الدائم وصلاتهم بالليل هما معراج المؤمنين إلى تلك الفضيلة والمنزلة ، لذا يدعو القرآن رسول الله وكل فرد مؤمن إلى الذكر والصلاة . « وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 25 ) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا » والبكور هو أول الصباح ، والأصيل هو أول الليل وأصله ، والمراد هو المداومة على الذكر نهارا وليلا .

--> ( 1 ) الكشاف : ج 4 ، ص 674 .