السيد محمد تقي المدرسي
389
من هدى القرآن
ربه : « بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ » عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس عن الآية فقال : لو شاء لجعله خُفَا أو حافرًا . . ولكن جعله الله خلقًا سويًّا حسنًا جميلًا ] « 1 » ، وعنه قال : نجعلها كَفًّا ليس فيه أصابع ] « 2 » ، والأقرب منه أن تكون التسوية هنا بمعنى الخلق الكامل ، بإعادة البنان على خلقها وكمالها الأول بعد الموت والتحلل في التراب ، وهذا رَدٌّ على شك الإنسان في قدرة الله على جمع الأعظم المتفرقة الرميمة ، أي أنه تعالى ليس قادرا على جمعها وحسب ، بل هو قادر على كسوها لحما وإعادة الحياة إليها . وإذا كانت اليدان من خصائص الحضارة البشرية فإن الأصابع هي ميزة اليد عند الإنسان بما فيها من دقة وقوة وأناقة ، وخصوصا البنان الذي يقوم بدور عظيم في حياة الإنسان . وقد اعتبر البعض هذه الآية سبقا في بيان حقيقة علمية يستفاد منها كثيرا في القانون الجنائي ، وهي : اختلاف خطوط أطراف الأصابع من إنسان إلى آخر ، والتي أصبحت بذاتها علما مستقلا يسمى بعلم البصمات ، ترتكز عليه الدوائر الأمنية في مكافحة الجريمة ومعرفة المجرمين . وتعبير الله في الآية الثالثة « نَجْمَعَ عِظَامَهُ » يهدينا إلى أن الإنسان مهما تحلل في التراب إلا أنه لا يتحول إلى العدم ، بل يبقى أجزاء وذرات صغيرة متفرقة هنا وهناك ، والخلق الثاني بالبعث يبدأ بجمعها إلى بعضها عبر قوانين دقيقة وإرادة إلهية تجعل ذرات كل فرد وعضو وجزئياته تجتمع وتلتحم مع بعضها ، والله العالم . [ 6 - 5 ] أما سبب كفر الإنسان بالآخرة فهو أنه لا يريد الالتزام بالشرائع والحدود ، بل يريد أن يطلق العنان لأهوائه وشهواته ومن ثم لا يتحمل مسؤولية في الحياة . « بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ » قال الإمام الصادق عليه السلام : أَيْ يُكَذِّبَهُ ] « 3 » ، وعلى هذا أجمع جل المفسرين قال العلامة الطبرسي : فالفجور هو التكذيب ] « 4 » . وقال الفخر الرازي : أي يُكَذِّب بما أمامه من البعث والحساب ، لأن من كَذَّب حقًّا كان كاذباً وفاجراً ] « 5 » . والذي يبدو لي أن الكلمة بمعناها الأصلي وهو الشق والتحطيم ، وإنما سمي الفجر فجرا لأنه يشق الظلام ويحطمه ، والفجور في الأخلاق والسلوك مثل ذلك ، حيث إن الفاجر لا يلتزم بقيمة ولا قانون ، بل يشق عصا المجتمع والشرع باقتحام اللذات والخطايا ، ولا يريد أمامه شيئا يعيقه أبدا ، وهذا التفسير لا يعارض حديث الإمام ولا أقوال المفسرين لأن التكذيب مقدمة ومصداق للفجور . ولم أجد من المفسرين
--> ( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 287 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 287 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 24 ، ص 327 . ( 4 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 502 . ( 5 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 318 .