السيد محمد تقي المدرسي

361

من هدى القرآن

هذا العدد لاختلقوا سؤالا آخرا ، وهكذا . « كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ » أي أن ما طرحته الآيات هو مثل حي للضلال والهداية ، فالحقيقة التي بيَّنها الله في كتابه واحدة ، والمعطيات لدى الفريقين ومن بينها العقل والإرادة واحدة ، إلا أن الموقف مختلف تماما ، وهذه الصورة العملية للموقفين تكشف عن أن الهدى والضلالة وإن كانا بيد الله إلا أن العامل الرئيسي فيهما هو الإنسان نفسه . . بإرادته واختياره ، وليس كما يزعم الجبرية أبدا . « وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ » لأنهم غيب مستور ، ولأنهم من الكثرة بحيث لا يستطيع عدهم أحد ، فكيف وربنا يخلق كل لحظة من ملائكته ما لا يحصيه إلا هو سبحانه وتعالى ؟ ! ففي الأخبار أن لكل قطرة غيث تنزل من السماء إلى الأرض ملكا موكلا بها ، وأنه عز وجل خلق ملكا اسمه الروح له ألف رأس في كل رأس ألف لسان وكل لسان ينطق بألف لغة يسبح الله تعالى ، فيخلق الله بكل تسبيحة من تسبيحاته ملكا يسبح الله إلى يوم القيامة ، أي أنه يخلق عند كل تسبيحة واحدة مليار ملك ( سبحان الله ) . « وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ » قيل : إن الضمير عائد إلى سقر ] ، وقيل : عائد إلى عدة الملائكة ] ، وكلاهما صحيحان لأن الحقيقة واحدة ، فكلاهما ذكرى للناس ومتصلان بموضوع الجزاء والعذاب . فالمهم إذن أن يتذكر الإنسان ربه وحقائق الغيب ، لا أن يجادل في القشور . . وقد حذرنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من النار مُبَيِّنًا صفة واحد من صفات خزنة جهنم فقال : واعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا ، أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ والْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ والرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ ؟ ! فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ : ضَجِيعَ حَجَرٍ وقَرِينَ شَيْطَانٍ ؟ أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ ؟ وإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ ؟ . . . فَالله الله مَعْشَرَ الْعِبَادِ وأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ وفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا ] « 1 » .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 306 .