السيد محمد تقي المدرسي
342
من هدى القرآن
تحديها ورفض الخضوع لها ، إلا أنه يجد نفسه عادة أمام أحد خيارين : إما الانهزام وإما التحدي والنصر ، فكيف يسير باتجاه خيار التحدي ؟ إنما يرتكز الانتصار ذلك على مدى رسوخ توحيد الله في نفسه ، وذلك بأن يكبره في وعيه ويعظمه في نفسه قبل أن يكبره بلسانه ، فآنئذ يصغر كل شيء دونه ، وتتساقط في داخله كل الأصنام . وهذا هو سر انتصار المؤمنين على العقبات والتحديات والضغوط والقوى المضادة . وإنها لصفة أصيلة فيهم يصفها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله : عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ ] « 1 » ، وعلى ضوء هذه المعادلة يجب أن نفهم معنى التكبير في حياتنا الفردية والاجتماعية والسياسية . وإنما تتعمق هذه الحقيقة في وعي الإنسان بالمعرفة السليمة بالله ، وأنه الكبير المتعال ، وأنه فوق أن يوصف أو ترقى إلى ذاته كلمات البشر أو تصوراته ، ولهذا ورد في معنى ( الله أكبر ) عن أئمة الهدى عليهم السلام أنه الله أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَف ] « 2 » ، وفيما يلي ننقل رواية تبين نورا من أنوار عظمة الله عز وجل : روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده المصطفى صلى الله عليه وآله أنه قال : وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ ، وَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكاً يُقَالُ لَهُ خرقائيل لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الْجَنَاحِ إِلَى الْجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ، فَخَطَر لَهُ خَاطِرٌ هَلْ فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ ، فَزَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَهَا أَجْنِحَةً أُخْرَى فَكَانَ لَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الْجَنَاحِ إِلَى الْجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ . ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَيُّهَا الْمَلَكُ طِرْ فَطَارَ مِقْدَارَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ رَأْسَ قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ ، ثُمَّ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَاحِ وَالْقُوَّةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَطِيرَ فَطَارَ مِقْدَارَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ أَيْضاً ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَيُّهَا الْمَلَكُ لَوْ طِرْتَ إِلَى نَفْخِ الصُّورِ مَعَ أَجْنِحَتِكَ وَقُوَّتِكَ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى سَاقِ عَرْشِي ، فَقَالَ الْمَلَكُ : سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل : « سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى » فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُم ] « 3 » . ولعل من مفاهيم تكبير الله أن يسعى الإنسان المؤمن لتحطيم كيان الضلال والكفر ، كي تتهاوى أنظمة الاستكبار والإفساد ، وتبقى كلمة الله هي العليا في الواقع السياسي والاجتماعي ، ويكون هو الأكبر في نفوس الناس ووعيهم ، وتكبره ألسنتهم بالغدو والآصال ، قال الفخر الرازي : وهذا تنبيه إلى أن الدعوة إلى معرفة الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات ] « 4 » . والذي يريد أن يدعو الناس إلى التوحيد يجب عليه أن يسقط كل الأصنام
--> ( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 193 . ( 2 ) الكافي ؛ ج 1 ، ص 117 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 55 ، ص 34 . ( 4 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 191 .