السيد محمد تقي المدرسي
295
من هدى القرآن
الآية على هذا النحو ، لأن الاستقامة على الطريقة في النفس بالإيمان ، وفي الفكر باتباع آيات الله ورسال ته ، وفي المجتمع بالانتماء إلى حزبه واتباع أوليائه . ومن كلمة « لأَسْقَيْنَاهُمْ » يتبين أنهم ظمأى ، وعطشهم إلى الإيمان والمعرفة أشد من عطشهم إلى الماء ، وبالاستقامة على الطريقة الآنف ذكرها يُؤَمَّن للبشرية كل ذلك ، حيث الإيمان بالله وحيث بصائر الوحي التي تروي القلوب والعقول ، وتبني حضارة السعادة ، ومستقبل الفلاح . ولأن هدف الحياة هو الابتلاء لاستظهار معدن المكلفين وكوامنهم فإن المسألة لا تنتهي عند حدود الاستقامة على الطريقة من قبل المخلوقين وإسقاء الماء الغدق من قبل الله ، بل لا بد من الفتنة ، بوصفها قضية أساسية يفرضها هدف الخلق ، وكون الدنيا ليست الدار الأخيرة . « لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ » بهدف معرفة طبيعتهم ، ومواقفهم العملية من نعم الله عز وجل ، بالذات وأن المسيرة الحضارية للأمم تبدأ بجيل ملتزم مستقيم يشيد صرح الحضارة ثم ينحرف ببطر النعمة ، أو يرثه من بعده خلف يضيع القيم ويتبع الأهواء . فأما الأمة التي تفلح في الاستقامة على الطريقة قبل الرغد وبعده فإنها تصبح محل عناية الله ، والمزيد من فضله بالزيادة جزاء للشكر ، وعلى عكسها الأمة التي يأخذها الغرور بمنجزاتها ، وتنخدع بزينة الحياة الدنيا ، وفضل الله عليها ، فإنها تدخل نفق الانحطاط والعذاب . « وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً » قيل : هو العذاب الذي يزداد ويتصاعد بمرور الزمن ، وإن الأمة التي تضل عن مسيرة الحق لترى الأهوال وألوان العذاب المتكاثرة في أنواعها ، والمتزايدة في كيفيتها ، وقيل : هو العذاب الأليم الذي يصعد إلى المخ ، وقيل : صعود جبل في جهنم يُجبَر المجرمون على صعوده مُحمَّلين بالأثقال ، فكلما بلغوا قمته أعيدوا للأمر كرة وأخرى دون استراحة . . وفي الأثناء تضربهم ملائكة العذاب بمقامع الحديد النارية . ومن الناحية الواقعية لو أردنا أن نتصور مسيرة أمة خالفت الطريقة السليمة واتبعت السبل المنحرفة فسنجدها كمن يصعد الجبال الوعرة يخالف سنة الله في الجاذبية ، فيلقى في طريقه العقبات التي لا تطاق . قال ابن عباس : إن صَعَدًا جبل في جهنم ، وهو صخرة ملساء فيكلف الكافر صعودها ، ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة ، فإذا بلغ أعلاها جذب إلى أسفلها ثم يُكَلَّف الصعود مرة أخرى ] « 1 » . وإنما يُسلك المعرض عن ذكر الله عذابا صعدا لأن ذكره تعالى وسيلة الاستقامة على
--> ( 1 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 162 .