السيد محمد تقي المدرسي

296

من هدى القرآن

الطريقة ، ولا يقدر الإنسان على الاستقامة من دونها ، فإذا ما أعرض أحد عن الوسيلة لم يبلغ النتائج فإذا بالماء الغدق يصبح عذابا صعدا . ولعمري إن الأمة الإسلامية حين استقامت على الطريقة سقيت الماء الغدق ، وصارت إلى السعادة والسلام ، ولكنها حيث افتتنت بالمعطيات والنعم فشلت في الامتحان ، إذ أعرضت عن ذكر ربها وأوليائه فصارت ولا تزال إلى العذاب الصعد . [ 18 - 20 ] وفي سياق الحديث عن الجن الذين اتخذهم البعض آلهة فأشركوا بهم ، وعبدوهم من دون الله ، يؤكد ربنا حقيقة التوحيد هدفًا رئيسًا من وراء نسف المزاعم الموغلة في الخرافة حول هذا الخلق من خلقه تعالى ، مما يهدينا إلى كون الآية الثامنة عشرة آية محورية في سورة الجن . « وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً » والأنبياء وكل من يسيرون على خطهم ويتبعون منهجهم حيث يقومون لله بالدعوة وينهضون للتغيير يجعلون محورهم توحيده عز وجل عن أي شريك من خلقه ، إلى حد التجرد له عن أية ذاتية ، يتجردون عن الأرض والعشيرة وكل قرابة وأية علاقة بشيء أو بشخص ، ويسلمون أنفسهم بصورة مطلقة له ، ويكيفونها حيث التوافق مع رسالته وهذا من أهم الفوارق بين الدعوات الإلهية الخالصة وبين الدعوات البشرية التي يسعى أصحابها في الغالب إلى الانتفاع منها لصالحهم . إنك لو درست حركة الكهنة فستجدهم يسعون لجعل أنفسهم محورا من وراء ثقافاتهم ودعوتهم ، فهم دائما يريدون إقناع الناس بأنهم عظماء ، وأن لديهم قبسا من عظمة الله سبحانه وعلما من علمه . أما الأنبياء والرسل فإنهم لا يدعون مع الله أحدا أبدا . ويتفرع من ذلك أن الدعوات البشرية عادة ما تكون وسيلة لارتزاق أصحابها بها . أما أولياء الله فإنهم لا يسألون أحدا أجرا . بل يأتون ليعطوا الناس الأجر والخير . وقد استفاد أئمة الهدى من هذه الآية حكما شرعيًّا جنائيَا بحرمة قطع المساجد كالكف في حوادث السرقة مثلا ، وقد جاء في الرواية في قصة سارق أحضر إلى المعتصم العباسي فاستفسر : من أي حد يجب أن يقطع ؟ فقال الراوي ( وهو ابن أبي داود ) : من الكرسوع ، قال : وما الحجة في ذلك ؟ قال : قلت : لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع ، لقول الله في التيمم « فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ » ، واتفق معي على ذلك قوم . وقال آخرون : بل يجب القطع من المرفق ، قال : وما الدليل على ذلك ؟ قالوا : لأن الله لما قال : « وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » في الغسل دَلَّ على أن حد اليد هو المرفق .