السيد محمد تقي المدرسي
247
من هدى القرآن
وأنشأ من بعدهم قوما صالحين ( هم ذرية الناجين في السفينة ) ، ثم أهلك فرعون وقومه واستعمر بلادهم بنو إسرائيل ، وكانوا أمة مؤمنة وهكذا لا يكون خلق الله إلا صالحا ، كما قال ربنا سبحانه : « لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » [ التين : 4 ] . « وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ » أي لا يسبقنا شيء ، ولا يعجزنا أحد ، ولم نمارس في أمر الخلق لغوبا ولا علاجا ، ولا تَعَلَّمنا التجربة من أحد أو احتجنا إلى شريك أو مُعِيْن ، سبحان الله . . وإنما تقتضي حكمته الإمهال . قال شيخ الطائفة مشيرا إلى هذا المقطع من الآية : وقوله : [ الآية ] عطف على جواب القسم ، ومعناه أن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن يتقدموا على وجه يمنع من إلحاق العذاب بهم ، فلم يكونوا سابقين ، ولا العقاب مسبوقا منهم ، والتقدير : وما نحن بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم ] « 1 » . ويستشف من الكلمة معنى الغلبة لأن من دخل السباق وسُبِقَ فهو مغلوب ، وتعالى الله أن يغلبه أحد وهو القادر على كل شيء . وفي الآية « أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ » اختلاف في كيفية الإبدال ، فقيل : بالإهلاك وذلك بأن يهلكهم الله ويخلق غيرهم ، وقيل : بأنه تعالى يبدل الرسول عنهم - وهم المكذبون المهطعون عن اليمين وعن الشمال عزين رافضين لرسالته - يبدلهم بآخرين قِبَلِه يطيعونه ويصدقون بدعوته . والاثنان صحيحان . ثم يشير تعالى إلى حقيقة أساسية وهي : أن الدنيا وإن كانت تتجلى فيها سنة الجزاء إلا أنه ليس ضروريًّا أن يجازي الله فيها كل أحد ، والسبب أنها دار الابتلاء ، أما دار الجزاء فهي الآخرة ، وإنهم - أي الكفار - لن يفوتوه ، بل سيلاقون جزاءهم يوم القيامة . « فَذَرْهُمْ » في الدنيا « يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا » فيذهبوا بكل خلاقهم ، ويتمادوا في الذنوب حتى يأتوا في الآخرة لا خلاق لهم ، وقد فعلوا ما يستحقون به المزيد من العقاب والعذاب ، فإن فرصتهم أنى بدت طويلة فهي محدودة بالدنيا . « حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ » يعني يوم الجزاء عندما يلاقون الإذلال والعذاب . ومن مصاديقه يوم يتوفاهم الله . أوليس إذا مات ابن آدم قامت قيامته ؟ أوليس الموت يضع حدا لخوضهم ولعبهم ؟ وأصل الخوض دخول الماء ، يقال : خاض بالفرس إذا أورده الماء ، والغمرات اقتحمها ، وكذا المهالك ، ولعله الدخول في الشيء بالكامل ، وخوض الكافرين هو دخولهم في الذنوب واتِّباعهم الأهواء والشهوات مسترسلين بلا ضوابط أو حدود . واللعب كل ما يُقدم عليه الإنسان بأهداف شهوانية تافهة . وقول الله تعالى : « فَذَرْهُمْ » هو تحديد لموقف الرسول ومن يتبعه تجاه الفريق المذكور من الكافرين ، ولا يعني ذلك أن يعتزل الرساليون ساحة الجهاد والعمل في سبيل الله . بلى ؛ إنهم من الناحية الدينية العقائدية ليسوا مسؤولين عن دعوتهم لقبول الحق والإيمان بالآخرة عن طريق الجبر ،
--> ( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 129 .