السيد محمد تقي المدرسي

248

من هدى القرآن

بل يتركونهم فالخيار لهم ، كما لا ينبغي أن يُذهبوا أنفسهم حسرات على عدم إيمانهم واختيارهم طريق النار . هذا من جانب ، ومن جانب آخر يجب ألَّا تدعوهم تحديات الأعداء واستفزازاتهم إلى التعجل بردات الفعل غير المدروسة ، وإنما يجب أن يصبروا صبر جميلا ، في الوقت الذي يواصلون فيه مسيرة الجهاد ، حسب ما يوحي إليه السياق العام لهذه السورة الكريمة . [ 43 - 44 ] ويبين القرآن صفات اليوم الذي يوعد الكافرون وأعداء الله ، مصورا مشاهد منه ، تبعث في القلوب رهبة وتدعو الإنسان إلى التفكير في اتقاء سوء عذابه . « يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً » بإرادة الله ، فإذا بجسد تتصل به روحه ، ويصير بشرا سويًّا واعيا في ساعات معدودة ، « سِرَاعاً » بحيث لا يحتاج الأمر أن يمر كل واحد بمراحل خلقه الأولى . . نطفة فعلقة فمضغة . . الخ . والجدث هو القبر . وإن الكافرين الذين تنكبوا عن الصراط ورفضوا دعوة الله عن طريق رسله في الدنيا لا يملكون يومئذ حيلة ولا قدرة للصد عن دعوة الحق ، بل يجيبون دعوة الداعي مسرعين . « كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ » أي يَعْدُون ويسرعون . وللنصب معان : الأول : العلامات ، فكل ما نُصِبَ وجُعِلَ عَلَمًا وعلامة فهو نصب وما أشبه إسراعهم يومئذ بإسراع الضائع في الصحراء حينما يقع بصره على العلامات الهادية إلى الطريق ! . الثاني : الأصنام ، جاء في كتب اللغة : الأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب ، فَيُهَلُّ عليها ويُذْبَحُ لغير الله ، قال تعالى : « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » [ المائدة : 90 ] . قال صاحب التبيان : شبههم في إسراعهم من قبورهم إلى أرض المحشر بِمَنْ نُصِبَ له عَلَمٌ أو صنم يستبقون إليه ] « 1 » ، وقال الفخر الرازي مثله : كما كانوا يستبقون أنصابهم ] « 2 » . الثالث : قصب السبق الذي ينصب حدًّا لميدان السباق أو علامة لمعرفة السابق من المسبوق ، وكأن أهل النار يومئذ يسرعون سرعة المتسابق الذي يسعى للوصول قبل غيره من المنافسين . « خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ » فالموقف منعكس عليهم من الناحية المادية حيث يعلوهم الوجوم ، ولا يرتد إليهم الطرف ، وترجف أطرافهم من شدة الموقف . . ومن الناحية المعنوية أيضا حيث يشملهم الصغار والذل « تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ » .

--> ( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 129 . ( 2 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 133 .