السيد محمد تقي المدرسي
246
من هدى القرآن
بأن جذر ذلك التمني والكفر راجع إلى طبيعة الإنسان الترابية وجانب الظلام في وجوده . [ 40 - 41 ] ويعالج الله موقف الكفار من وعده وعذابه الواقع بالرد على تحديهم للحق وسؤالهم عن العذاب ، وذلك من خلال تذكيره بحقيقتين : الأولى : طبيعتي الجهل والضعف عند الإنسان ، واللتين تجعلان تحديه في غير محله ، فإنه لو اطلع على عذاب ربه وعرف قدر خالقه لما ساقه الكفر والتحدي . وما عسى أن يكون وهو المخلوق الضعيف حتى يتحدى خالقه ، ويسأله إنزال عذابه عليه تكذيبا وهزوا ؟ ! والى هذه الحقيقة تشير الآية : ( 39 ) . الثانية : قدرة الله المطلقة وحكمته النافذة ، فهو قادر لو أراد أن يهلك الكفار ويمحوهم من الوجود ، ولكنه حكيم لا يفعل ذلك . . ومن تحسس هاتين الصفتين لله ينبغي له الإيمان بالآخرة وخشية العذاب . « فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ( 40 ) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ » وأول سؤال يفرض نفسه : ماذا تعني المشارق والمغارب ؟ يجيب الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام عن ذلك عندما وجَّه ابن الكواء تهمة التناقض إلى القرآن ، فقال له عليه السلام : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْكَوَّاءِ هَذَا الْمَشْرِقُ وَهَذَا الْمَغْرِبُ وَأَمَّا قَوْلُه : « رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ » فَإِنَّ مَشْرِقَ الشِّتَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَمَشْرِقَ الصَّيْفِ عَلَى حِدَةٍ ، أَمَا تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ قُرْبِ الشَّمْسِ وَبُعْدِهَا . وَأَمَّا قَوْلُه : « بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ » فَإِنَّ لَهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ بُرْجاً تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بُرْجٍ وَتَغِيبُ فِي آخَرَ وَلَا تَعُودُ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ قَابِلٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْم ] « 1 » . وعن ابن عباس قال : لِلشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مَطْلِعٌ تَطْلُعُ فِيهِ وَمَغْرِبٌ تَغْرُبُ فِيهِ غَيْرُ مَطْلِعِهَا بِالْأَمْسِ وَغَيْرُ مَغْرِبِهَا بِالْأَمْس ] « 2 » . والعلاقة واضحة بين إشارة الله إلى آية المشارق والمغارب الكونية ، وبين تأكيده على أنه قادر على التبديل ، ذلك أن تبدُّل المشارق والمغارب اليومي - هذه الحركة الكونية - آية من آيات قدرته تعالى على التبديل ، وإن الخلق والأمر إليه ؛ بحيث لو أراد الرد على تحدي الكفار بإنزال عذابه لفعل فأهلكهم ، وأتى بغيرهم خيرا منهم ، لا يعجزه شيء أبدا . والسؤال الثاني : لماذا قال ربنا : « خَيْراً مِنْهُمْ » ؟ لعل الجواب : أن سنة هلاك الأمم الغابرة قائمة على أساس أن الأمة الناشئة البديلة تكون أفضل لقربها من فطرة الخلق ، وعدم تلوثها بعوامل الفساد والزيغ . لقد أهلك الله قوم نوح ، وطهرت الأرض جميعا من فسادهم وزيفهم ،
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 10 ، ص 121 . ( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 267 ، فتح القدير : ج 5 ، ص 295 .