السيد محمد تقي المدرسي

245

من هدى القرآن

أشكالا مختلفة . . أحزابا وأفكارا وقيادات . وهناك قول بأن المقصود بالكافرين : هم المنافقون الذين يُظهرون الإيمان ويخفون الكفر والتكذيب ] « 1 » ، والأقرب تعميم المعنى ليشمل الكافرين والمنافقين جميعا . وإذا تنكب الإنسان عن صراط الجنة : الرسول ( قيادة ) والرسالة ( منهجا ) فكيف يسعد ؟ ومن أي باب يدخل الجنة ؟ وبأي وسيلة ؟ إن الإنسان إنما يرفض الحق قيادة ومنهجا فرارا من المسؤولية والاجتهاد ، لا بغضا للحق في ذاته أو جهلا به ، في حين تظل نفسه تتطلع إلى الخلاص من العذاب والفوز بالجنة ، وهكذا تراه يلجأ إلى التمنيات والظنون . من هنا يستنكر عليهم السياق ذلك الطمع الزائف فيقول : « أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ » وللآية إيحاء بأن ذلك الذي رفض دخول الجنة بالصد عن طريقها وبابها من أين يدخلها ؟ وهل ينتظر أحدا يأتي ليدخله فيها وهو لا يريد ؟ « كَلَّا » إنه لا يكون فلا يدخل أحد من غير بابها ، ومن دون أن يسعى إليها سعيها ، وما يحمل جناح التمني والطمع صاحبه إلا إلى النار والتهلكة . وقال ربنا : « يُدْخَلَ » مبنيًّا للمجهول لبيان أن صاحب التمنيات لا يسعى بنفسه ، إنما يترقب نجاته من غيره ، وليس يفعل ذلك أحد ، فأما الله والأولياء فهم أعداؤه ، وأما الأنداد فإنهم لا يملكون نفعا ولا ضرًّا . ثم إن الإنسان حينما يتفكر في الخليقة من حوله ، بل في خلق نفسه ، يصل إلى حقيقة مهمة تنفي له التمنيات والأطماع من أساسها ، وأنها لا تُدخل أحدا إلى جنة النعيم ، لأنه أينما نظر وتفكر لن يجد شيئا يدور في الفراغ ، بلا قانون أو سنة ، ومن ذلك نفسه . « إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ » إشارة إلى خلقة الإنسان المادية ( العناصر التي يتكون منها ) والمعنوية ( الأطوار والقوانين والسنن ) . وفكرة أخرى تفسر العلاقة بين نسف القرآن للتمنيات وبين إشارته إلى خلقة الناس وهي أن في الإنسان جانبين لا بد أن يتكاملا : الجسد والروح ، وهو لا يملك في تكامل جسمه شيئا كثيرا ، فمن نطفة يصير علقة فمضغة حتى يولد طفلا فيشب ويشيخ ثم يموت ، بينما يعتمد تكامل روحه على إرادته وسعيه ، والجنة جزاء إحرازه للتكامل في هذا الجانب ، ولن يدخلها بمجرد الطمع والتمنيات . وبصيرة ثالثة : أن الكافرين إنما تركوا الإيمان والسعي للطمع والتمني بسبب كفرهم بالآخرة ، حيث قالوا : كيف نعود أحياء بعد أن نصير ترابا ؟ فذكَّرهم الله بأصل خلقتهم ( التراب ) لبيان أنه تعالى قادر على إعادتهم بشرا أسوياء بعد أن يصيروا ترابا . ولعل الآية تقرير

--> ( 1 ) هكذا في مجمع البيان : ج 10 ، ص 543 ، وإليه ذهب الفخر الرازي والعلامة الطباطبائي وصاحب تفسير فتح القدير ( الشوكاني ) .