السيد محمد تقي المدرسي

237

من هدى القرآن

وحيث بادر المصلون إلى هذا النوع من الإنفاق فإنهم لا يعتبرون أنفسهم متفضِّلين على من أعطوا ، بل يشعرون في أنفسهم أن ذلك « حَقٌّ » واجب عليهم أداؤه ، مما يبعدهم عن الرياء والمن والأذى . ثم إنهم من الناحية الاقتصادية متوازنون في إنفاقهم ، فهم لا يسرفون ولا يقترون ، بل يقدمون على مواقف وخطوات مدروسة قائمة على الحسابات الدقيقة . . فإنفاقهم كما يصف « مَعْلُومٌ » مدروس ومخطط ومحدد . الثالثة : التصديق بالآخرة « وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ » قال العلامة الطبرسي : يؤمنون بأن يوم الجزاء والحساب حق لا يشكون في ذلك ] « 1 » ، وفي الكشاف : تصديقا بأعمالهم واستعدادا له ] « 2 » . وسميت الآخرة « بِيَوْمِ الدِّينِ » لأنها يوم الجزاء وفيها الميزان ، ولأن الحاكمية المطلقة فيها لدين الله عز وجل . وإذا كانت الدنيا صولات وجولات بين الحق والباطل فإن الآخرة دولة مطلقة للحق . وتصديق المصلين بذلك اليوم وما فيه من الحقائق تصديقان : تصديق القلب بالإيمان واليقين الراسخ أن الآخرة حق واقع ، وتصديق الجوارح بالعمل والسعي الصالح ، الذي يكون مصداقا للإيمان ، ودليلا على صدق مدعيه . وقد أعطى الإسلام لهذه الكلمة مفهومها الحقيقي الشامل حينما اعتبر كل صالحة وحسنة صدقة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ إِلَى غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ ] « 3 » ، وقال صلى الله عليه وآله : تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيْكَ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَة ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ ، وَإِمَاطَتُكَ الحَجَرَ وَالشَّوكَ وَالعَظْمِ عَنِ الطَّرِيْقِ لَكَ صَدَقَةٌ ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخِيْكَ صَدَقَةٌ ] « 4 » . ونهتدي من قوله : « يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ » إلى أن أعمالهم الصالحة مصداق إيمانهم بالآخرة ، فلا يعملون رياء أو سمعة ، أو أشرا أو بطرا ، أو استعلاء في الأرض . كما نستوحي من ذلك أن يوم الدين هو العامل الرئيسي الذي به يصدقون ويندفعون إلى الأعمال الصالحة . أترى لو كفر أحد بالجزاء ماذا يدفعه إلى التصدق والإنفاق والتضحيات ؟ لا شيء ، ولهذا فإن توقف مسيرة الإحسان والعطاء عند الكفرة سببه كفرهم بالآخرة . وحيث اعتبر القرآن التصديق بالآخرة صفة أساسية عند المصلين حقًّا فلأنهم عندما يقومون إلى الصلاة يعيشون بوعيهم الإيماني ظواهر الآخرة وأحداثها الفظيعة . وما هي قيمة الصلاة إذا لم يكن المصلي حاضرا بروحه وبصيرته في الآخرة عند أدائها ؟ وإيمانهم بالآخرة له دور أساسي وكبير في حياتهم إيمانا وتفكيرا وعملا ، فهو

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 450 . ( 2 ) الكشاف : ج 4 ، ص 612 . ( 3 ) وسائل الشيعة : ج 9 ، ص 381 . ( 4 ) كنز العمال : ج 5 ، ص 410 ، ح 16305 .