السيد محمد تقي المدرسي

238

من هدى القرآن

مقياسهم في القضايا المختلفة ، فلا يقربون الذنوب خشية الخزي والعذاب يومئذ ، ويستزيدون من عمل الصالحات طمعا في الفوز بالجنة ورضوان الله ، ولا يجزعون عند البأساء والضراء لأن الشر الحقيقي ليس الفقر ولا فقدان الأحبة ولا المرض إنما هو عذاب الله وسخطه ، ولا يمنعون عند الخير برهم عن أحد طمعا في الخير العظيم عند لقاء الله . وبعبارة أخرى : إن الإنسان لا يمكنه الثبات ، بل يبقى هلعا متقلب الشخصية حتى يؤمن بالآخرة ، لأن ذلك وحده الذي يعطيه الاطمئنان إذ يشبع تطلعاته الفطرية ، ويشعره بأنه يسير نحو مستقبل أفضل وأنبل . الرابعة : الخوف من عذاب الله « وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ » في التبيان : الإشفاق رقة القلب عن تحمل ما يخاف من الأمر ، فإذا قسا قلب الإنسان بطل الإشفاق ] ، وقيل : من أشفق من عذاب الله لم يَتَعَدَّ له حدا ولم يضيِّع له قرضاً ] « 1 » ، وخوفهم في الحقيقة ليس من شدة العذاب بقدر ما هو خوف من سخط الله ، لأن فراق رضوان الله أعمق وأشد ألما من ألسنة النيران . إن المصلين الحقيقيين يفترضون أنفسهم في النار ، وينطلقون من ذلك بالجد والاجتهاد والسعي الحثيث لإنقاذ أنفسهم منها ، وإنما لا يفترضون أنفسهم في الجنة لكيلا يستبد بهم الغرور فيركنون إلى الراحة والدعة ، ولكيلا يعيشوا في ظل خرافة الشرك أو أمنية الشفاعة المحتومة على الله تعالى سبحانه أو حلم الأعمال الصالحة التي لا يعرفون مدى قبولها من عند الله ، فهم لا يعطون لها الأمان بالاعتقاد الخاطئ أن الله لا يعذبهم ، ولا بالاتكال اغترارا على أعمالهم ، ولا بالفهم السيئ للشفاعة . « إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ » وتأكيد هذه الحقيقة من قبل الله يأتي في سياق المنهج التربوي للقرآن ، فإن من لا يأمن العذاب لا يسمح لنفسه بالغفلة ، وضياع الفرصة ، كما أنه يتحرك في بعدين : الأول : بعد اجتناب الذنوب التي جزاؤها العذاب ، والثاني : بعد العمل الصالح الذي يقرب العبد إلى الله ، وينجيه من غضبه ، ويقربه من الأمان الحقيقي من عذابه . إن الذي يأمن مكر الله وعذابه أو يكفر به ويكذب كأولئك الذين بلغ كفرهم بوعد الله حد الاستهزاء والتحدي بالسؤال عن العذاب ؛ إن هذا الإنسان لا يتحسس المسؤولية ، ومن ثم يخوض ويلعب ، وقد يعتمد على التمنيات فيود لو يفتدي نفسه بالآخرين وينجو ، أو يطمع أن يدخل جنة نعيم ، ولكنها لا تعطي أمانا أبدا ، قال شيخ الطائفة « 2 » مفسرا الآية : قيل يخافون ألَّا يقبل حسناتهم ويؤخذون بسيئاتهم ] « 3 » ، وفي الكشاف : أي لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الطاعة والاجتهاد أن

--> ( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 124 . ( 2 ) شيخ الطائفة : هو لقب الشيخ الأجل محمد بن الحسن الطوسي ( ت 460 ه - ) . ( 3 ) التبيان : ج 10 ، ص 124 .