السيد محمد تقي المدرسي
236
من هدى القرآن
لَوْ كَانَ فِي سَيْرِنَا الْغَدَاةَ عَصًا * أَمْسَتْ سَمَانَا عَلَيْكَ مُنْدَفِقَه لَكِنَّ رَيْبَ الزَّمَانِ ذُو غِيَرٍ * والْكَفُّ مِنِّي قَلِيلَةُ النَّفَقَه قَالَ : فَأَخَذَهَا الْأَعْرَابِيُّ وبَكَى ، فَقَالَ عليه السلام لَهُ : لَعَلَّكَ اسْتَقْلَلْتَ ، قَالَ : لَا ، ولَكِنْ كَيْفَ يَأْكُلُ التُّرَابُ جُودَكَ ؟ ! ] « 1 » . أما المحروم فإنه يفترق عن السائل في أمرين : الأول : وجود الحاجة الماسة عنده وكونه مستحقا . الثاني : حياؤه الذي يمنعه من السؤال . . هكذا جاء في تفسير الرازي والمجمع والتبيان والميزان والكشاف : والمحروم الذي يتعفف عن السؤال فَيُحسب غنيًّا فيحرم ] « 2 » ، وهذا يدل على أن المؤمنين ينفقون أموالهم على المحتاجين وهم يشعرون بأنهم هم أهل الحاجة إلى الإنفاق . . فلا ينتظرون السائل يسألهم ، بل يعطونه للسائلين ، ويبحثون بأنفسهم عن المحتاجين لينفقوا عليهم لوجه الله ، ولقد جاء في التاريخ « 3 » : أن الإمام زين العابدين عليه السلام استشهد وفي كتفه أثر الجراب الذي كان يمر به ليلا على بيوت الفقراء والمحتاجين وقد ملأه تمرا وخبزا . والظاهر من الروايات أن الإنفاق الذي تعنيه الآية ليس الواجب المفروض في الشريعة بقدر ما هو الإنفاق المندوب الذي يبادر إليه المصلون أنفسهم قربة لله تعالى ، قال الإمام الصادق عليه السلام : إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ فَرِيضَةً لَا يُحْمَدُونَ إِلَّا بِأَدَائِهَا ( أي أنه ليس فضلا يمدحون بأدائه ) وهِيَ الزَّكَاةُ بِهَا حَقَنُوا دِمَاءَهُمْ وبِهَا سُمُّوا مُسْلِمِينَ ، ولَكِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ حُقُوقاً غَيْرَ الزَّكَاةِ فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ : « وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ » فَالْحَقُّ الْمَعْلُومُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ وهُوَ شَيْءٌ يَفْرِضُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْرِضَهُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ وسَعَةِ مَالِهِ فَيُؤَدِّي الَّذِي فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ ، إِنْ شَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وإِنْ شَاءَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ وإِنْ شَاءَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ] « 4 » . وعنه قال عليه السلام : هُوَ الرَّجُلُ يُؤْتِيهِ الله الثَّرْوَةَ مِنَ الْمَالِ فَيُخْرِجُ مِنْهُ الْأَلْفَ والْأَلْفَيْنِ والثَّلَاثَةَ الْآلَافِ والْأَقَلَّ والْأَكْثَرَ فَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ ويَحْمِلُ بِهِ الْكَلَّ عَنْ قَوْمِهِ ] « 5 » ، وهذا المحمل هو الأقرب لأن الإنفاق المستحب أدل على رسوخ الإيمان من الواجب .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 190 . ( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 130 . ( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 7 ، ص 183 . ( 4 ) الكافي : ج 3 ، ص 498 ، تفسير العياشي : ج 2 ، ص 210 . ( 5 ) الكافي : ج 3 ، ص 499 .