السيد محمد تقي المدرسي

235

من هدى القرآن

المندوبة إلى مستوى الواجبات أداء والتزاما ، وهذا بدوره يكشف عن مدى حبهم للعبادة . وقد ذكر الله صفة المداومة على الصلاة لأن المعطيات الحضارية وغيرها كالتغلب على صفة الهلع في النفس البشرية لا تتأتى بصورة سريعة منذ أول ممارسة للصلاة من قبل الإنسان ، بل لا بد من الدوام عليها والاستقامة حتى تعرج بنا إلى تلك المعطيات . الثانية : الإنفاق في سبيل الله . وبه يخرج المصلون من سلطان المال والثروة الذي يأسر الكثير من الناس الذين أنعم الله عليهم في منع حقوق الله وحقوق المجتمع ، وإنها لآية على تحول الصلاة إلى برنامج عملي في حياتهم . أوليس هدفها أن يتمحض الإنسان في الخلوص لله ، ويتنازل عن كل شيء حتى ذاته من أجل الحق ؟ بلى ؛ فلماذا يبخلون بالمال ؟ إن المصلين الحقيقيين حينما يكررون في صلاتهم قوله تعالى : « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ » فإنهم يعون بعمق أن الحمد ليس مجرد كلمات وشعارات يلوكها الواحد بلسانه ، بل هو باللسان المعبر عن النية الصادقة والإيمان المخلص ، وبالعمل من خلال تطبيق منهجية الحمد في واقع الحياة ، ومنها إنفاق نعم الله في سبيله شكرا له وتعبدا . إنهم قد اتصلوا بالله وعرفوه « رَبِّ الْعَالَمِينَ » وعلموا أن ما في الوجود كله من عنده وهو مالكه ، حتى أنفسهم ، وما الأموال التي عندهم إلا أمانات استودعهم إياها ، فكيف يبخلون بها ويمنعون عن أدائها إليه حين يطلبها فيأمرهم بإنفاقها في سبيله ؟ ! . إن الامتناع عن الإنفاق في يقينهم لون من الخيانة للمستأمن ، وهذا ما يدفعهم إلى الإنفاق في وجوه الخير من جهة ، ومن جهة أخرى يدفعهم الشعور بالمسؤولية الاجتماعية إلى مد يد العون لأصحاب الحاجة والعوز تطبيقا لمنهجية التكافل الاجتماعي التي تستهدفها الصلاة « وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ » والسائل هو الذي يعرض حاجته على الناس ويسأل العون مع أنه قد يكون محتاجا وقد لا يكون كذلك ، ولكن كرامة المصلين وعزتهم تمنعهم أن ينتظروا يدا تمتد إليهم بالسؤال حتى يعطوه مهما كان المعطى كثيرا . . فهذا سيد الشهداء وقد طرق الباب طارق يناوله صرة من النقود الكثيرة ، ولا ينظر إليه بل يمد يده الكريمة من وراء الباب . هكذا قال المجلسي : فَسَلَّمَ الحُسَيْنُ عليه السلام وقَالَ : يَا قَنْبَرُ هَلْ بَقِيَ مِنْ مَالِ الْحِجَازِ شَيْءٌ ؟ . قَالَ : نَعَمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ فَقَالَ عليه السلام : هَاتِهَا قَدْ جَاءَهَا مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنَّا . ثُمَّ نَزَعَ بُرْدَيْهِ ولَفَّ الدَّنَانِيرَ فِيهَا وأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ حَيَاءً مِنَ الْأَعْرَابِيِّ وأَنْشَأَ : خُذْهَا فَإِنِّي إِلَيْكَ مُعْتَذِرٌ * واعْلَمْ بِأَنِّي عَلَيْكَ ذُو شَفَقَه