السيد محمد تقي المدرسي

234

من هدى القرآن

على أدائها ، ولا يُخلُّون بها ، ولا يُشغلون عنها بشيء من الشواغل ] « 1 » ، وفي الدر المنثور عن ابن مسعود قال : على مراقبتها ] ، وعن عقبة بن عامر قال : الذين إذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال ] « 2 » ، وكل ذلك صحيح ، إلا أن الآية جاءت لتعطي البعد الأشمل والأصح للصلاة كما يراها الإسلام ويلتزم بها المصلون الحقيقيون ، وهي الصلاة الدائمة التي تورث الصلة المستمرة مع رب الكائنات في القيام والقعود في آناء الليل وأطراف النهار . إن البعض فهم الصلاة فهما خاطئا على أنها مجرد عدد من الركعات والأذكار التي يؤديها المسلم في وقت مخصوص ، وقطعوها - وهي عمود الدين - عن الاتصال بمفردات الحياة وسلوك المصلي . أما الصلاة التي يريدها الإسلام فإنها الصلة الدائمة بين العبد وربه ، وما العبادة المتعارفة إلا رمز ومظهر لذلك الجوهر . . فالمصلي الحقيقي لا يعيش الحياة مجزأة ، ولا يحد الصلاة بوقت معين ، إنما يعتبرها موصولة بكل مفردة في حياته ، وأنه لو خالف قيمها وأهدافها في واحدة منها فإنها لا تعد في نظره مقبولة ، فلا يغش الناس عند المعاملة ، ولا يكذب في كلامه ، ويبخسهم أشياءهم ، ولا يغتاب ، ولا يتهم ، ولا يركن للظالمين ، ولا . . و . . ، لأن كل ذلك يسلب صلاته روحها ومعناها وثوابها . . فالصلاة لا بد أن تنهى عن كل فاحشة فردية أو اجتماعية ، ولا بد أن تقطع المسلم عن كل أحد غير الله فيعيش مستقلا حتى تسمى صلاة . إن الذي يصلي ثم يحيد عن أهداف الصلاة في سائر يومه وحياته لا يمكن أن يطلق عليه مصليًّا ، لأن من شروط المصلي أن يدوم على صلاته بالتزام مضامينها وقيمها وأهدافها والاستقامة عليها طيلة يومه وحياته . وحيث فهم الواعون المخلصون من الرعيل الأول الصلاة منهج حياة فداموا عليها أصبحت إليهم معراجا إلى كل فضيلة وكرامة . ولقد أَوَّلَ أئمة الهدى الصلاة في الآية بأنها النوافل ( الصلوات المستحبة ) ، قال الإمام الباقر عليه السلام : هَذَا فِي النَّوَافِلِ ] « 3 » ، وقال القمي : إذا فرض على نفسه شيئا من النوافل دام عليه ] « 4 » ، وهذه الأخبار تهدينا إلى أمرين : ألف : مدى حرصهم على صلاتهم الواجبة ودوامهم عليها ، فإن من دام على المستحب كان أدوم على الواجب . باء : درجة التزامهم بالإسلام ومنهجيته في الحياة ، بحيث إنهم يرفعون المستحبات

--> ( 1 ) الكشاف : ج 4 ، ص 612 . ( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 266 . ( 3 ) وسائل الشيعة : ج 13 ، ص 57 . ( 4 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 316 .