السيد محمد تقي المدرسي

233

من هدى القرآن

حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » [ النساء : 79 ] ، وسائر ما في الإنسان من جوانب القوة والضعف والخير والشر فإنما هي ظلال لهذين الصنفين ، إلا أن على الإنسان أن يسعى جاهدا للتغلب على الظلام وظلاله في نفسه ، وتنمية النور ، وإشعاعاته ، والهلع واحد من ظلال الظلام الذي يجب أن يتغلب عليه بسعيه وعزم إرادته . والله تعالى عرَّف البشر كوامن نفسه شرها وخيرها ، وأعطاه إرادة الاختيار التي يتجاوز بها صفات السوء وطبائعه إن شاء أو يسترسل معها ، ورسم له المنهج الذي يسلم بتطبيقه منها . فما هو المنهج القرآني لعلاج صفة الهلع عند الإنسان ؟ . أولًا : حضور الآخرة في وعيه نفسيًّا وفكريًّا ، فإن من يتذكر أهوالها ومشاهدها لا يجزعه من الدنيا شر بالغا ما بلغ ، لأنه يكون أبدا مشغولا عنه بذلك الشر المستطير ، بل تراه يعيش السكينة والاطمئنان كالمؤمنين : « الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ » [ البقرة 156 : ] ، كما لا يبطره خير في منع خشية العذاب وطمعا في الثواب . . ولعل هذه الفكرة تفسر لنا العلاقة بين الحديث عن مشاهد القيامة : ( 8 - 18 ) وبين الحديث عن الإنسان : ( 19 - 21 ) . والمستقرئ للآيات القرآنية يجد أن الوحي ما يكاد يحدثنا عن صفات الإنسان السلبية إلا ويمهد لذلك بالحديث عن الآخرة ، أو يلحقه بالتذكير بها ، لأنه علاج ناجح لها . ( 22 - 35 ) ثانياً : الصلاة التي هي معراج المؤمنين إلى الفضيلة ، ووسيلتهم للتزكية والتربية الذاتية . أوليست هي الوسيلة التي دعانا الله أن نبتغيها إليه ؟ أوليست هي حبل الله وسفينة نجاة الإنسان من الباطل والشر ؟ . . بلى ؛ ولكن يجب أن نفهم الصلاة ونُقيمها بشروطها كما يبينها القرآن حتى نخلص من صفة الهلع وسائر الصفات السيئة ، ونعرج بأنفسنا روحيًّا وسلوكيًا إلى آفاق الكمال والفضيلة ، فإن الإنسان كإنسان متورط في الهلع « إِلَّا الْمُصَلِّينَ » الذين عرفوا الصلاة على حقيقتها فأقاموها في حياتهم . . عرفوا الصلاة بأنها الاتصال الدائم بلا انقطاع مع الله ، والكون في طاعته كل ساعة ولحظة . . عرفوا الصلاة برنامجا متكاملا يتصل بكل شؤون الحياة ومفرداتها الخاصة والعامة ، الفردية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والأخلاقية والقضائية وهكذا . لا صلاة القشور المحصورة في الركوع والسجود وبعض المظاهر . فما هي الصلاة الحقيقية في مفهوم القرآن ؟ ! . إن القرآن لا يفصِّل لنا في كيفية الصلاة ولا عدد ركعاتها وسجداتها ، وإنما يعرِّفنا الصلاة الربانية ببيان صفات المصلين الواقعيين عند الله ، وهي : الأولى : الدوام على الصلاة « الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ » قال الزمخشري : يواظبون