السيد محمد تقي المدرسي
205
من هدى القرآن
الصفة الثانية : وثمة صفة سيئة أخرى عند أصحاب الشمال تتصل بعلاقتهم مع عباد الله ، وهي عدم قضاء حوائجهم بل عدم الحث على قضائها « وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ » فهو يرتكب ذنبين عظيمين : الأول : الامتناع عن الإنفاق على المحتاجين الذين فرض الله لهم حقًّا في أموال الناس . الثاني : تركه لواجب الأمر بالمعروف ، والأخير نتيجة طبيعية للأول ، ذلك أن الذين يبخلون بأموالهم على الناس يتمنون أن يكون المجتمع مثلهم حتى يبرروا موقفهم . وللمتدبر أن يتصور مدى صلافة من لا يحض على طعام المسكين وانعدام العاطفة والوجدان عنده ، حيث يرى مس الجوع والحاجة عند أضعف طبقة اجتماعية ثم لا يبالي بالأمر ، ولا يتحمل المسؤولية ، مع وجود أمر الله بالإنفاق ، وكون ما عنده من نعمه وفضله الذي يأتمن عليه خلقه . ولقد ربط الإسلام بين الإيمان بالله والنفع لعباده وكأنهما صنوان لا ينفكان ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أَحَبُّ عِبَادِ الله إِلَى الله جَلَّ جَلَالُهُ أَنْفَعُهُمْ لِعِبَادِهِ ، وَأَقْوَمُهُمْ بِحَقِّه ] « 1 » ، جاء في حديث قدسي أن الله عز وجل قال : الخَلْقُ عِيَالِي فَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ أَلْطَفُهُمْ بِهِمْ وأَسْعَاهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ ] « 2 » ، وحيث ننعم الفكر في العلاقة بين الكفر بالله وعدم الحض على طعام المسكين نهتدي إلى أن المعنيين بالآيتين لا خلاق لهم في الآخرة ، ولذلك يعذبون دون رحمة ، لأنهم لا إيمان لهم بالله يدعوهم إلى العمل الصالح من الزاوية الدينية ، ولا إنسانية تدعوهم إلى الإحسان ، فقد يكون الإنسان كافرا بالله أو مشركا ولكن تبقى فيه بقية من الإنسانية تحثه على بعض الخير ، فهو إن لم يخفف عنه العذاب لإيمانه فسوف يخفف عنه لإنسانيته ، حيث لا يضيع الله أجر المحسنين . وإذا آمنا بهذه الفكرة في ضوء الإيمان بأن الجزاء الأخروي صورة لعمل الإنسان واختياره في الدنيا فإن تعامل أصحاب الشمال الصلف مع عيال الله المساكين فيها هو الذي يحدد نوع تعامل الله معهم يوم الجزاء . قال الزمخشري : دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين : الأول : عطفه على الكفر وجعله قرينة له . الثاني : ذكر الحض دون الفعل ، ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل ؟ « 3 »
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 74 ، ص 154 . ( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 199 . ( 3 ) الكشاف : ج 4 ، ص 605 .