السيد محمد تقي المدرسي

206

من هدى القرآن

« فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ » وهو القريب الذي يهتم بالإنسان ويحامي عنه ، فأمثاله من المجرمين مشغولون بأنفسهم عن غيرهم ، وأما المؤمنون فإنه عدوهم وهم أعداؤه لكفره بالله ، ومن يجرؤ على الشفاعة لمن غضب الله العظيم عليه ؟ ولعل للآية ظلالا يتصل بعلاقات الإنسان الاجتماعية ، وأنه ينبغي أن يبحث عما يدوم منها وينفعه في الدارين ، فإن لأصحاب الشمال أخلاء كثيرين وأصدقاء بالخصوص المترفين وأصحاب السلطة منهم ولكنهم لا يحمونهم ولا حتى يسألون عنهم يوم القيامة ، « الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ » [ الزخرف : 67 ] . أما طعامهم فإن المجرمين يكادون يموتون جوعا لأنهم لا يجدون طعاما ، وحيث يَمُضُّ بهم الجوع ويطلبون ما يأكلونه يُؤتى لهم بطعام هو لون من أشد العذاب « وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ » قال القمي : عرق الكفار ] « 1 » لأنه غسالة أبدانهم ، وفي الدر المنثور عن ابن عباس : أظنه الزقوم ، وفي خبر آخر : هو ) الدم والماء الذي يسيل من لحومهم ] « 2 » إثر التعذيب ، وفي التبيان : وقال قطرب يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين ، فعبر عنه بعبارتين ] « 3 » ، ولعل أقرب المعاني ما يخرج من أبدانهم من جراحة أو أنه يتصف بمجموعة الصفات السيئة التي يمكن أن يحويها الطعام الرديء لونا ورائحة ومذاقا ، ولعل النفي ب - « وَلا » يوحي بأن أصحاب الشمال لا يجدون الطعام بسهولة ، بل يبقون مدة طويلة يتضورون جوعا ، وإذا جيء لهم بطعام فإنه لا يكون إلا من « غِسْلِينٍ » ، وهذا يتناسب مع موقفهم من المساكين في الدنيا ، حيث كانوا لا يشعرون بجوعهم وعوزهم ، فهم بذلك يُذاقون عذاب الجوع مما يكشف لهم مدى قبحهم إذ لم يطعموا المساكين ولم يحضوا على إطعامهم . إن الجزاء في الآخرة هو الصورة الحقيقية لعمل كل إنسان في الدنيا ، فهو في الواقع الذي يطعم نفسه هناك ما يقدمه هنا ، فالمؤمنون يأكلون من قطوف الجنات العالية بما أسلفوه من الصالحات ، والمجرمون يأكلون طعام الغسلين بما قدموا من الخطيئات والمعاصي « لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ » فهم إذن كما وصف الله : « إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً » [ النساء : 10 ] حيث يمارسون الخطيئات ، ولكنهم - وقد عميت بصائرهم عن الحق - لا يرون ذلك إلا في الآخرة حين تقع الحاقة وتكشف الحجب عن كل حق كشفا معنويًّا وماديًّا . ( 38 - 41 ) وفي الفصل الأخير من هذه السورة التي سُمِّيت بالحاقة يوجهنا الله إلى كتابه

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 384 . ( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 263 . ( 3 ) التبيان : ج 10 ، ص 106 .