السيد محمد تقي المدرسي
201
من هدى القرآن
أنه الحجة ، باعتبارها تعطي صاحبها الحق والهيمنة ، وتجعل الآخرين يسلمون له ، قال القمي : « سُلْطَانِيَهْ » أي حجته ، ومثله الدر المنثور والكشاف والتبيان ، وزاد الرازي بقوله : ( ضلت عني حجتي حين شهدت عليّ الجوارح بالشرك ] « 1 » ، وما أرجحه أن تصرف الكلمة إلى عموم السلطان ، و ( الحجة ) من مصاديقه ، وهناك مصداقان أساسيان آخران تجدر الإشارة إليهما : الأول : السلطان بمعنى الهيمنة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عادة ما ترافق المال والثروة عند المترفين ، فتزيدهم بعدا عن الحق وغرورا ببقائها ، فإنها تسلب بالموت وفي الآخرة بصورة أشمل ، وقد أشار إلى هذا المصداق العلامة الطبرسي بقوله : « سُلْطَانِيَهْ » أي هلك عني تسلطي وأمري ونهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطاً عليه فلا أمر لي ولا نهي ] « 2 » ، وما أحوج الحكام والمترفين إلى استحضار ذلك المشهد في أذهانهم لعله يدعوهم إلى العدل وتوجيه السلطة في مرضاة الله عز وجل . . وإن الآيتين : « مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ » لهما أيضا لسان حال كل طاغية وحاكم قرعته يد القدرة والجزاء في الدنيا قبل الآخرة . الثاني : السلطان بمعنى الإرادة ، إذ إن الوجه البارز من الكلمة هو الهيمنة التي تجعل إرادة المتسلط ماضية ونافذة ، وهذه هي الأخرى تُسلب بكل ما تؤدي إليه الكلمة من معنى ، لأن السلطة هنالك للحق ولمن تمسك به . وتؤكد الآية اللاحقة هذا المعنى حيث يأتي أمر الله لملائكة العذاب بوضع الأغلال على أعدائه رمزًا لسلبهم الحرية ، فلا يستطيعون حتى حراكا وهم يعذبون ، وإنه ليقطع عليهم تمنياتهم وملامتهم لأنفسهم بنقلهم إلى عذاب النار « خُذُوهُ فَغُلُّوهُ » فَيَا لَهُ مِنْ مَأْخُوذٍ لَا تُنْجِيهِ عَشِيرَتُهُ وَلَا تَنْفَعُهُ قَبِيلَتُهُ ] « 3 » ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( ثُمَّ تَجِيءُ صَحِيفَتُهُ تَطِيرُ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَتَقَعُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ يَأْتِيهِ مَلَكٌ فَيَثْقُبُ فَيُقَلِّبُ ] صَدْرَهُ إِلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ يَفْتِلُ شِمَالَهُ إِلَى خَلْفِ ظَهْرِهِ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ كِتَابَكَ ، قَالَ : فَيَقُولُ : أَيُّهَا الْمَلَكُ كَيْفَ أَقْرَأُ وَجَهَنَّمُ أَمَامِي ؟ قَالَ : فَيَقُولُ اللهُ : دُقَّ عُنُقَهُ وَاكْسِرْ صُلْبَهُ وَشُدَّ نَاصِيَتَهُ إِلَى قَدَمَيْهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : « خُذُوهُ فَغُلُّوهُ » ، قَالَ فَيَبْتَدِرُهُ لِتَعْظِيمِ قَوْلِ اللهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ غِلَاظٍ شِدَادٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتِفُ لِحْيَتَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْطِمُ عِظَامَهُ ، قَالَ : فَيَقُولُ : أَمَا تَرْحَمُونِي ؟ قَالَ : فَيَقُولُونَ : يَا شَقِيُّ كَيْفَ نَرْحَمُكَ وَلَا يَرْحَمُكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَفَيُؤْذِيكَ هَذَا ؟ قَالَ : فَيَقُولُ : نَعَمْ أَشَدَّ الْأَذَى ، قَالَ : فَيَقُولُونَ : يَا شَقِيُّ وَكَيْفَ لَوْ قَدْ طَرَحْنَاكَ فِي النَّارِ ؟ قَالَ : فَيَدْفَعُهُ الْمَلَكُ فِي صَدْرِهِ دَفْعَةً فَيَهْوِي سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ] « 4 » ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام : ( وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَخَذَلَهُمْ فَخَلَّدَهُمْ ] فِي النَّارِ وَأَوْثَقَ مِنْهُمُ الْأَقْدَامَ وَغَلَّ مِنْهُمُ
--> ( 1 ) راجع التفاسير المذكور : الدر المنثور : ج 6 ، ص 262 . الرازي : ج 30 ، ص 14 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 439 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 41 ، ص 11 . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 292 .