السيد محمد تقي المدرسي

202

من هدى القرآن

الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ وَأَلْبَسَ أَجْسَادَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ وَقُطِّعَتْ لَهُمْ مِنْهَا مُقَطَّعَاتٌ مِنَ النَّار ] « 1 » ، ولعمري إن أمر الله بالأخذ ليخص بالذات الطغاة من الحكام الذين تسلطوا على رقاب الناس فراح ضحية لأوامرهم بالسجن والتعذيب والقتل الكثير من الأبرياء والصالحين . . وقد ذكر صاحب الكشاف ( أنها نزلت في أبي جهل ) لأنه كان سلطانا يتعظم على الناس « 2 » . ( 31 - 37 ) وبعد أن يُغَلَّ المجرمون تؤمر الملائكة بواحدهم أن تصليه بالنار « ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ » ، ومن طبيعة الإنسان أنه يَهُبُّ للدفاع عن نفسه أو الهرب عند مواجهة الخطر ، أما المجرمون الذين تُغَلُّ أيديهم وأرجلهم فإنهم يقاسون عذاب جهنم وعذاب الأغلال في الوقت نفسه ، وذلك من أشد ألوان العذاب أن يصطلي الواحد بالنار ولا يجد سبيلا للخلاص والمقاومة . قال الرازي عن المبرد : أصليته النار إذا أوردته إياها ] « 3 » ، وقال القمي : أي أسكنوه ] « 4 » ، ويبدو لي أن أصل الاصطلاء من الصلة والوصول ، و « صَلُّوهُ » ، أي اجعلوا النار واصلة إليه كأكثر ما يكون وصولها لأحد واتصالها به كيفا وزمنا ، وقيل : صلة الرحم لأن المراد العلاقة الحميمة المتصلة فلا انقطاع فيها . « ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ » أي طولها سبعون ذراعا ، والذراع ما يساوي 18 بوصة * 1260 / 70 بوصة ، وهذا الطول كاف لتلتف السلسلة على جميع أجزاء البدن ، فكيف وبعض المفسرين يعتبر السبعين للمبالغة ، كقول الله : « إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » [ التوبة : 80 ] ؟ ! وقد ذهب هنا البعض « 5 » إلى أنها سبعون ذراعا ولكن من أذرع الملائكة الطويلة التي لا نعلم قياسها ، وقيل بأن الحلقة الواحدة منها ما بين الرحبة في الكوفة ومكة ، ونحن لا نخوض في هذا الأمر بل نورد حديثا عن السلسلة مرويًّا عن الإمام الصادق عليه السلام قال : وَلَوْ أَنَّ حَلْقَةً وَاحِدَةً مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي طُولُهَا سَبْعُونَ ذِراعاً وُضِعَتْ عَلَى الدُّنْيَا لَذَابَتِ الدُّنْيَا مِنْ حَرِّهَا ] « 6 » ، ويحتمل أنها سلسلة عظيمة تمتد في كل جهنم إلا أن لها أذرعا طول الواحد منها سبعون ذراعا يسلك كل مجرم في أحدها ( والله العالم ) . أما كيف يسلكون فيها ؟ فهناك احتمالان : الأول : أنها تخترق أبدانهم ، كأن تدخل من أفواههم وتخرج من أدبارهم وتخرق بها

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 292 . ( 2 ) الكشاف : ج 4 ، ص . 604 أنها نزلت في ( الأسود بن عبد الأشد ) عن ابن عباس . ( 3 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 114 . ( 4 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 384 . ( 5 ) راجع : الكشاف : ج 4 ، ص 605 ، والتفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 114 . ( 6 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 280 .