السيد محمد تقي المدرسي

165

من هدى القرآن

العلم الثابت الذي يعتمده منهجا في الحياة فيعكف على دراسته بالبحث لفهمه وتطبيق ما فيه ، وليس ثمة كتاب إلهي ولا حتى بشري معتبر لدى الناس يساوي في قوانينه وقيمه بين البريء والمجرم مهما اختلفت الكتب البشرية والقوانين الوضعية في تحديد مصاديق المجرم ، لأن الكتاب الذي يخالف كل قيم العرف لن يكون مقبولا عند الناس ، وإذا يحكم المترفون بالتساوي عند الله بين المجرم والمسلم فإنما ينطقون من الأهواء والأماني التي لا اعتبار لها عند العرف العام . وهذه الآية تستثير فطرة الإنسان ووجدانه وتستشهد بما تعارف عليه الناس على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم ، كما الآيات القرآنية الأخرى التي تفرق بين المسلمين والمجرمين كالآية ( 35 ) ، وبين الجاهل والعالم « 1 » ، وبين الأعمى والبصير « 2 » ، وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار « 3 » . والآية ( 38 ) تكشف عن حقيقة يمكن لكل إنسان أن يلمسها في واقع المترفين المستكبرين السياسي والاجتماعي ، وهي أنهم لا يريدون أن تحكم شريعة أو نظام قانون أنى كان نوعها ، فحتى الدستور الذي يضعونه بأنفسهم ، وحسب القياسات التي يختارونها لحكمهم تراهم يتهربون منه ، ولا يرضون به حكما بينهم وبين الناس . لماذا ؟ لأن ذلك الدستور مهما كان ظالما ومنحرفا لا بد أن ينطوي على نسبة من القيم حتى يكون مقبولا عند العرف العام ، وتلك النسبة تدين طائفة من تصرفاتهم فلا يريدونها ، وهكذا كانت مخالفة حكم العقل والقانون من أظهر سمات المجرمين ، كما أن تحكيم الهوى والشهوات من أعظم بواعث الجريمة . ولعلنا نهتدي من ذلك إلى أن من عظمة الإسلام أن فيه قيما أساسية ثابتة لا يمكن تبديلها وتحويلها ، بل لابد أن تبقى هي الميزان في المجتمع ، وهذه القيم لا يعطي الله لأحد ( من رسوله وإمام أو حاكم شرعي أو دولة ) الحق في خرقها تحت أي عنوان ، ولأي سبب بالغ ما بلغ ، والحكمة في ذلك أنها فوقهم جميعا ، وأن دورهم هو التنفيذ وليس التشريع ، كما أن الرسالة تفقد مصداقيتها وقيمتها لو بدلت فيها هذه القيم . بلى ؛ إن المصلحة العامة قد تقتضي تغيير بعض القوانين ولكن ضمن إطار قانوني معين . [ 39 - 43 ] وبعد أن نفى السياق أي شاهد من عقل أو نقل ( كتاب ) يؤيد مساواة المسلمين والمجرمين ، ينفي أن تكون للمجرمين أيمان على الله تقتضي براءتهم من النار وتحللهم عن أية مسؤولية تجاه أعمالهم « أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ » ، والأيمان البالغة إما بمعنى التامة من جميع جهاتها وشروطها ، نقول : بلغ الصبي إذا تمت رجولته واستوى ، أو بمعنى الأيمان التي لا تنقض والتي تتصل . . « إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » ، وتقضي أن يكون الأمر كما يقولون بضرس قاطع أن

--> ( 1 ) الزمر : 9 « قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ » . ( 2 ) فاطر : 19 « وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ » . ( 3 ) الحشر : 20 « لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ » .