السيد محمد تقي المدرسي

166

من هدى القرآن

لهم براءة من العذاب « إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ » فأنتم مفوضون من قبل الله ؟ ! وهذا لا دليل عليه ، فلو كانت ثمة يمين حلف بها الله فإنها ستكون في رسالته ، والحال أن فيها أيمان تناقض أيمانكم المدعاة كقسمه بأن يملأ جهنم من المجرمين . ولعل قوله تعالى : « إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » يهدينا إلى أنهم في الظاهر يحكمون رقاب الناس في الدنيا ولكن الوضع يختلف تماما في الآخرة إذ لا تبقى لهم أية سلطة ، فهنالك الولاية لله الحق وله الحكم ، بل في الدنيا أيضا ليس بالضرورة أن يكون لهم ما يتمنون ويحكمون ، لأنهم لا يقدرون على شيء إلا بإذن الله القاهر فوق عباده . بلى ؛ هناك وعد عند الله للمؤمنين بالمغفرة والجزاء الحسن إذا ماتوا مؤمنين ، وليس إلى يوم القيامة دون شرط أو قيد . وما يتوهمه بعضهم من أن السلطان ظل الله في الأرض ، أو أنه يُعفى عن مسؤوليات أفعاله ، لا يعدو مجرد تمنيات تفرزها الأهواء ، وهي تتبخر عند الحجة العقلية . من هنا يتحدى السياق أن يملك أحد الشجاعة على تبني ذلك القول والدفاع عنه والمجادلة بشأنه . « سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ » والزعيم : الكفيل الذي يقوم بالأمر ويتصدى له ، ومنه زعيم القوم ، ولا أحد يتكفل هذا الأمر لأنه لا يعتمد على دليل منطقي ، إنما ينطلق من الخيال والظن ، وهذه الآية تتشابه وقوله تعالى : « فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا » [ النساء : 109 ] . ويمضي السياق قدما في تسفيه الزعم الواهي بتساوي المجرمين مع المسلمين ، حيث ترى كثيرا من المجرمين والمذنبين يتكلون على الشركاء والأنداد ، ويزعمون أنهم ينقذونهم من جزاء أفعالهم المنكرة ، ويزعمون أنهم يستطيعون التأثير في حكم الله بحكم الشراكة معه في الملك والتدبير ، سبحانه ، وهكذا تراهم يعتقدون بالشفاعة الحتمية التي تقتضي نجاتهم من العذاب يقينا بفعل تأثير الآلهة الصغار كالأصنام والملائكة والجن والأولياء الذين يتوهم البعض أنهم يتقاسمون مع الله الربوبية سبحانه وتعالى « أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ » والمشركون حينما يعودون إلى وجدانهم ، أو عند المواجهة العلمية بالجدال أو الواقعية حيث يجازي الله الناس ، يعرفون أن لا حول للشركاء ، وأنهم إنما يخدعون أنفسهم ويخادعون الآخرين إذ يتظاهرون بعقيدة الشرك ، ولقد رأينا كيف أفحم نبي الله إبراهيم عليه السلام المشركين في عصره عند المجادلة « قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ( 62 ) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ ( 63 ) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ ( 64 ) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ ( 65 ) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ ( 66 ) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا »