السيد محمد تقي المدرسي

154

من هدى القرآن

منهم أربعة وسخط الخامس وهو الذي قال الله تعالى : « قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ » . فقال الرجل يا بن عباس كان أوسطهم في السن ؟ فقال : لا ، بل كان أصغر القوم سنا وكان أكبرهم عقلا ، وأوسط القوم خير القوم ، والدليل عليه في القرآن إنكم يا أمة محمد أصغر الأمم وخير الأمم قال الله : « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » فقال لهم أوسطهم : اتقوا الله وكونوا على منهاج أبيكم تسلموا وتغنموا ، فبطشوا به فضربوه ضربا مبرحا فلما أيقن الأخ أنهم يريدون قتله دخل معهم في مشورتهم كارها لأمرهم غير طائع ، فراحوا إلى منازلهم ثم حلفوا بالله أن يصرموه إذا أصبحوا ولم يقولوا إن شاء الله ، فابتلاهم الله بذلك الذنب وحال بينهم وبين ذلك الرزق الذي كانوا أشرفوا عليه ] « 1 » . ولعل في القصة إشارة إلى أنه تعالى أجرى السنة نفسها على المترفين أو طالهم منه شيء من العذاب في الدنيا ، وفي رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام تأكيد لذلك ، قال : إَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ ابْتُلُوا بِالجُوْعِ كَمَا ابْتُليَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ ] « 2 » ، وإذا لم يكن أهل مكة بأجمعهم فلا أقل مصاديق الآيات السابقة كالمغيرة وآخرين ممن نزلت في شأنهم يومذاك . قال تعالى : « إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ » أي اختبرناهم بالثروة بمثل ما اختبرنا أصحاب المزرعة وما دامت السنن الإلهية في الحياة واحدة فيجب إذن أن يعتبر الإنسان بالآخرين سواء المعاصرين له أو الذين سبقوه ، وأن يعيش في الحياة يتتلمذ فإنها مدرسة وأحداثها خير معلم لمن أراد وألقى السمع وأعمل الفكر وهو شهيد ، وبهذه الهدفية يجب أن نطالع القصص ونقرأ التأريخ ، فهذه قصة أصحاب الجنة يعرضها الوحي لتكون أحداثها ودروسها موعظة وعبرة للإنسانية . والقرآن في عرضه لهذه القصة الواقعية « 3 » لا يحدثنا عن الموقع الجغرافي للجنة هل كانت في اليمن أو في الحبشة ، ولا عن مساحتها ، ولا عن نوع الثمرة التي أقسم أصحابها على صرمها ، لأن هذه الأمور ليست بذات أهمية في منهج الوحي ، إنما المهم المواقف والمواعظ والأحداث المعبرة سواء فصَّل العرض أو اختصر وأوجز . « إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ » أي أول الصباح ، وخلافا لعادة الفلاحين الذين يصرمون بعد طلوع الشمس ، وذلك لكيلا يعلم المساكين بالأمر فيحضرون طلبا للمعونة ، ويظهر أنهم تعاقدوا على ذلك ليلا . والصرم أصله القطع ، يقال : تصارم القوم إذا تقاطعوا وهجر بعضهم بعضا ، وسيف صارم يعني شديد القطع ، والرجل الأصرم الذي قطع طرف أذنيه ، وصرم

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 381 . ( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 382 . ( 3 ) أقول : ) واقعية ) لأن بعض المفسرين والذين درسوا القصص القرآنية حاولوا تصويرها بأنها قصص خيالية وهمية وضعها الله لتكون وسيلة لتوضيح أفكار القرآن ، وليس في ذلك أيّ مقدار من الصحة .