السيد محمد تقي المدرسي
155
من هدى القرآن
النخل إذا قطع عروقها . . ولعل في الآية إشارة إلى نوع شجرة الجنة بأنه مما يُصرم كالنخل والعنب وليس مما يحصد كالحنطة أو يجنى كالفاكهة . والقسم هو غاية العزم والإصرار . ولعلهم إنما تحالفوا وتعاقدوا لكيلا ينفرد بعضهم بإعطاء شيء للفقراء أو بإفشاء سر مؤامرتهم حيث يبدو أن بعضهم كان مخالفا لمثل هذه العملية وهو أوسطهم . « وَلا يَسْتَثْنُونَ » وتنطوي هذه الآية على معنيين : المعنى الأول : الاستثناء بمعنى أخذ مشيئة الله والمتغيرات بعين الاعتبار ، فإنه نهى سبحانه ألَّا يعلق أحد عزمه وقراره بمشيئته تعالى فقال : « وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ » [ الكهف : 23 - 24 ] وهذه حقيقة علمية واقعية أن الإنسان العاقل حينما يخطط لأمر ما يجب أن يضع في فكره الاحتمالات الممكنة التي قد يواجهها في المستقبل ، ولقد أثبتت التجارب العلمية ما نعايشه يوميًّا من احتمالات الخطأ ومخالفة ما نخططه عما يقع فعلا ، مما يكشف أمرين : الأول : جهلنا بكل الحقائق التي قد تقع . الثاني : أن هناك إرادة فوق القوانين والأنظمة الواقعية يمكن أن تخرقها وتخرب الحسابات والخطط في أية لحظة بحيث لا يملك الإنسان إلا الاستسلام لها ، أو يكون قد استعد للأمر سابقا ووضع الخطط المناسبة ، وتعرفنا البصائر الإسلامية بتلك الإرادة أنها مشيئة الله عز وجل . . يقول الإمام علي عليه السلام : عَرَفْتُ الله سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وحَلِّ الْعُقُودِ ونَقْضِ الْهِمَمِ ] « 1 » ، وما أكثر البحوث الفلسفية التي تفتح هذه الآية آفاقها أمام المتدبر ، والتي خاض فيها المفسرون والفلاسفة . المعنى الثاني : الاستثناء بمعنى الاقتطاع والعزل من الثمر للفقراء والمساكين . ولقد أغفل أصحاب الجنة قول : « إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ » كما عقدوا العزم بالأيمان المغلظة ألَّا يعطوا حتى فقيرا واحدا شيئا مما يصرمون ، ولكن هل أفلحوا في أمرهم ؟ كلا . . « فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ » قبل حلول موعدهم الذي تعاقدوا على أن يهبوا فيه للصرم ( أول الصباح ) ، وما يدريك لعلهم ناموا أول الليل طمعا في الجلوس مبكرين . بلى ؛ إن الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ما كان ليغفل عن تدبير خلقه وإجراء سننه في الحياة ، فقد أراد أن يجعل آية تهديهم إلى الإيمان به والتسليم لأوامره حيث أمر بالاستثناء ( إن شاء الله ) وبالإنفاق على المساكين ، وأن يعلم الإنسان أن الجزاء حقيقة واقعية وأنه نتيجة عمله . والطواف هو المرور
--> ( 1 ) نهج البلاغة : حكمة : 250 .