السيد محمد تقي المدرسي
119
من هدى القرآن
« الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 26 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً « 1 » سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ « 2 » ( 27 ) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِي اللَّهُ وَمَنْ مَعِي أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( 28 ) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 29 ) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً « 3 » فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ « 4 » ( 30 ) » . هدى من الآيات : إن الفلسفات الشركية التي تربط ظواهر الكون ونظمه بالقوى المزعومة من دون الله هي المسؤولة عن مشي الإنسان مُكِبًّا على وجهه ، ضالا عن الحقيقة ، وهي التي تحجب عنه نور الخشية من ربه ، وتصنع في نفسه هالة من الأمن والاطمئنان الكاذب ، الأمر الذي يسوقه نحو ممارسة المعصية ومخالفة النظام الحق دون وازع أو ضابط ، ويسقط من عنده قيم الشرائع والعهود . أوليست الخشية روح الالتزام بالنظام ؟ . بلى ؛ إن الشرك والاعتقاد بالأنداد هو الذي يترك الإنسان غير مسؤول ، فإذا به لا يخشى من مخالفة الحق ، ولا يرى ضرورة للشكر على النعم ، لأنه يزعم أن الله خلق الوجود وقدَّر نظامه ثم فوَّض إلى الناس أمورهم ، أو فوضه إلى الأنداد ثم اعتزل ، أو أن هناك قوى الشركاء التي تنصرهم من دونه تعالى فتقاوم قدرته ومشيئته سبحانه ، فإذا منع رزقه عنهم رزقتهم ، وإذا غار ماؤهم جاءتهم بماء معين غيره . . ويعالج القرآن هذا الضلال ( الغرور والعتو والنفور ) ببصيرتين : الأولى : بصيرة التوحيد ، وأن الله وحده الذي بيده الأمر والقدرة التامة ، ويذكِّر القرآن بهذه الحقيقة بصورة تكون فيها آيات الدرس الأخير من سورة الملك تفسيرا لآية محورية في السورة هي الآية الأولى : « تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . الثانية : حقيقة البعث والجزاء ، ذلك أن جزءاً كبيرا من شرك الإنسان وعدم إحساسه بالمسؤولية نتيجة لكفره بالآخرة أو شكه فيها ، فلا بد أن يعلم بأنه منشور محشور . وعندما يذكِّر القرآن بهذه الحقيقة يعيدنا إلى آية محورية أخرى في السورة هي الآية الثانية : « لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » .
--> ( 1 ) زلفة : قريباً . ( 2 ) تدّعون : تطلبون وتستعجلون ، من الدعاء ، وقالوا : تَدْعون وتَدَّعون بمعنى واحد . ( 3 ) غوراً : غائر في أعماق الأرض لا يتمكّن الإنسان من إخراجه . ( 4 ) معين : ظاهر للعيون ، أو بمعنى جارٍ سهل التناول .