السيد محمد تقي المدرسي

120

من هدى القرآن

بينات من الآيات : [ 15 ] لم يكن الناس يعرفون في عصر نزول القرآن أبعاد نعمة الحياة على الأرض كما يعرفون اليوم ، وأن الأرض تختلف من جهات كثيرة عن سائر الكواكب الأخرى من حيث القوانين الطبيعية التي تحكمها ، فجاء القرآن ليفتح أفقهم على معرفة هامة وهي : أن الكوكب الذي يعيشون على وجهه كسائر الكواكب الأخرى يشبه كرة تدور في هذا الفضاء الرحب ولكنه يختلف عنها في كونه مهيَّأ من جميع الجوانب لحياتهم عليه . وكان حريًّا بالإنسان وهو ينشد غزو الفضاء وركوب الكواكب الأخرى أن ينطلق من هذه الآية الكريمة . أما هدف القرآن من بيان هذه الميزة للأرض التي نعيش فوقها فليس أن يضيف إلى العلم معرفة وحسب ، بل هنالك هدف أبعد من ذلك . . ومن دونه لا تكون معارف البشر ذات قيمة حقيقية ، ألا وهو تعريفه بربه ، فإنه لو تفكر مليًّا لعرف أن توفير الأرض لحياة البشر آية من آياته عز وجل . بلى ؛ ربما يفكر البعض في ذلك ولكنك تجدهم يضلون بإجابات لا رصيد لها من الصحة فإذا بهم يشركون بالله ، فأما القدماء فكانوا يتصورون أن الأصنام أو الشياطين هي التي صنعت ذلك ، وأما المعاصرون فقالوا : إنها الصدفة ! ! ولكن القرآن يذكر الإنسان بالحقيقة التي أُركزت في فطرته ، ويجد أصداءها حينما يستنير عقله ، فينقذه من ضلالات الجهل والشرك ، إذ يقول : « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا » أي مذللة ميسرة لكم كالحصان المروَّض أو البقرة المستألفة ، حيث جُعل نظامها وما فيها لصالح الإنسان طعما وشرابا وهواء وزينه وما أشبه مما يحتاجه وينفعه كالليل والنهار والشمس والقمر . . الخ . وتذليل الله للأرض انعكاس لاسم « تَبَارَكَ » حيث أن ذلك من بركته ورحمته . « فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ » ، وقوله تعالى : « فَامْشُوا » ليس مجرد أمر تشريعي يوجب السعي ، بل هو أمر تكويني ، إذ لو لم يقدِّر الله المشي لما كان أحد يستطيع المشي حتى في مناكب الأرض . والمنكب مفرد مناكب وهو مجتمع رأس الكتف والعضد ، وناحية كل شيء وجانبه ، يقال : سرنا في منكب من الأرض أو الجبل أي في ناحيته ، والمنكب من الأرض الطريق « 1 » وكان القرآن حينما أمر بالمشي في مناكب الأرض شبهها بالإنسان ، رأسها الجبال ومناكبها السفوح والسهول وما دون القمم العالية الوعرة التي يصعب المشي فيها . وحينما نمشي فإننا لا نحصل فقط على الرزق بل ونزداد معرفة أيضا . وهناك علاقة بين فعلي الأمر « فَامْشُوا » و « وَكُلُوا » ذلك أن رزقنا لا يمكن أن يمشي إلينا بل لا بد أن نسعى إليه بأنفسنا ،

--> ( 1 ) المنجد : مادة نكب .