السيد محمد تقي المدرسي
92
من هدى القرآن
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ إنها واقع مر لفريق ، ونعمة لفريق آخر في وقتها ، ولكن دورها لا ينتهي عند هذا الحد ، بل تبقى موعظة للاحقين ، لذلك يسجلها الله في كتابه لكيلا تنساها البشرية ويفوتها نفعها ، وأن يتذكر الإنسان بغيره خير من أن تدور رحى التجارب عليه فيصير عبرة للآخرين ، وكما قال الإمام علي عليه السلام : « العَاقِلُ مَنْ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ » « 1 » ، من هنا ينبغي أن ندرك مدى أهمية القرآن للبشرية ، ودوره في حفظ تاريخها وتجاربها التي تطاولت عليها السنون ، وكانت لولاه تبيد وتُنسى أو تُنتزع منها عبرتها ولبابها ، وتُضحي قشرة بالية لا تكسب الناس حكمة ، ولا تهديهم سبيلا ، كما نجد في التواريخ التي تمجد قصص الغابرين لا تحكي سوى ظواهرها ، أما ما ينفع الأجيال المتلاحقة فإنه ينسى . حقًّا : أنها سمة مميزة لمنهج الرسالة في بيان قصص الأولين ، حيث تحوِّلها إلى حقائق معاشة بيننا ، وذلك بالتركيز على بيان عبرها الدائمة والخطوط المشتركة بيننا وبينهم . وهكذا أشار ربنا سبحانه في آيات أخرى إلى جانب من ذلك بعد بيان قصة نوح فقال : قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ هود : 48 - 49 ] . أترى كيف وُصِلَ الحدث الموغل في التاريخ بالحدث الراهن المتمثل في الصراع المستمر بين المتقين وغيرهم وأن العاقبة لهم ؟ وهذه من أبرز العبر في قصة نوح عليه السلام . ولكن السفينة ذاتها آية أيضا ، ذلك أنها حافظت على النوع البشري من الانقراض ، ومن الآيات التي تجلت في القصة آية العذاب الإلهي المهول الذي تشير إليه الآية الكريمة التالية بهدف إصلاح النفسية البشرية القائمة على الظنون والتمنيات ، حيث يستبعد البعض العذاب من قبل الله بناء على تصور خاطئ ، بأنه رحيم ورؤوف وقد خلق الخلق ليرحمهم لا ليعذبهم ، ويتخذ البعض من هذا التصور مبررا للذنوب التي يمارسها ، كلا . . يقول تعالى : فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ بلى ؛ إن الغضب الإلهي عذاب للأقوام التي يحل بها ، ولكنه في الوقت ذاته نذير للاحقين ، فلا يعتمدوا إذن على التمنيات ، ليتفكروا في التاريخ ، وليذكروا آياته الواعظة المنذرة . والاستفهام الوارد في الآية يفيد التعظيم ، ويستهدف استثارة العقل نحو الموعظة بوقعه الخاص ، ذلك أن الاستفهام بحاجة إلى وقفة تفكر وتدبر . [ 17 ] وتلك الآية وآية العذاب ، وما تنطوي عليه قصة نوح مع قومه من نذر ، تلتقي مع القرآن في هدف واحد هو التذكرة ، إذن فهي الهدف الأسمى للقرآن ، وإليها تهدي كل سوره
--> ( 1 ) غرر الحكم : حكمة : 4570 .