السيد محمد تقي المدرسي

272

من هدى القرآن

وتأكيد القرآن على أن ما نزل حق يهدينا إلى أن قسوة القلب تورط الإنسان في الباطل ، وهناك علاقة متينة بين ذكر الله وبين رسالته النازلة من عنده ، لأن الله تعالى يتجلى في كتابه . وفي الشطر الثاني من الآية يلفتنا القرآن إلى تجربة آهل الكتاب لنتعظ بتجارب الأمم الأخرى . إنهم كما الأمة الإسلامية أوتوا كتابا من عند الله ، أنقذهم من الطغاة كفرعون ، وأخرجهم من الظلمات إلى نور الإيمان والعلم ، ولكنهم ابتلوا بقسوة القلب فماذا كانت عاقبتهم ؟ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ وكان ينبغي أن يطبقوا ما فيه حتى يصلوا إلى أهدافهم وسعادتهم ، ولكنهم كانوا لا يريدون تحمل المسؤولية فراحوا يلتفون على آياته ، ويتخلفون عن تطبيقها ، لأنهم يريدون إيمانا بلا تكلفة وتضحية ، ومجدًّا بلا مشقة وسعي ، فَعَلِمُوُه أماني كما قال تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [ البقرة : 78 ] ، وبدل أن تكون الرسالة قائدهم وإمامهم يُكيِّفون أنفسهم وفقها ، أصبحوا يفرضون شهواتهم عليها ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، وربما عادت بينهم كتابا مألوفا ، وجزءا من التراث ، فوقفوا عند حروفه وكلماته دون العمل به . ولأنهم فعلوا ذلك ما عاد الكتاب ينفعهم فتبدل إيمانهم به إلى الشك فيه ، وارتابوا في بشائره ووعوده ، والحق الذي اشتمل عليه ، وحيث تعاقبت الأجيال الواحد تلو الآخر وهم ينتظرون شيئا من ذلك يتحقق دون جدوى - لأنهم اتخذوه أماني ولم يسعوا إلى تطبيقه - انتهت في نفوسهم جذوة الإيمان ، بالذات وأن كل جيل يأتي يورث سلبياته الجيل الذي بعده فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ لقد ابتعدوا عن الدين كل جيل بمسافة بعده عن جيل الرُّواد الأوائل ، الذين آمنوا بالكتاب حق الإيمان ، وطبقوا ما فيه كما أراد الله ، ولأنهم نبذوا الكتاب الذي به حياة القلوب ذهب خشوعهم ، وقد جاء في الأثر عن الإمام الصادق عليه السلام : « لَمْ يَزَلْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ وُلَاةَ البَيْتِ ويُقِيمُونَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ وأَمْرَ دِينِهِمْ يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرٌ عَنْ كَابِرٍ ( عظيم عن عظيم ) حَتَّى كَانَ زَمَنُ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وأَفْسَدُوا وأَحْدَثُوا فِي دِينِهِمْ وأَخْرَجَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً » « 1 » ، وإذا صحت الروايات والتفاسير التي تقول بأن الأمد طال على المؤمنين من أهل الكتاب في انتظار الرسول صلى الله عليه وآله الذي ينصرهم على أعداء الله ، ويُخلِّصهم من الضلال والعذاب ، فإننا نهتدي إلى أن أحد أسباب قسوة القلب بعد طول الأمد هو اليأس من روح الله ، والشك في وعد الله الذي لا يُخلفَ ! . وهذه المشكلة يمكن أن تتورط فيها الكثير من الحركات الإسلامية ، حيث يخشى أن تتناقص فيها تلك الحيوية والفاعلية التي كانت لديها عند انطلاقها ، وقد يصاب بعضهم

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 15 ، ص 170 .